«ضـربـة جـزاء» رئاسيـة فـي مرمـى الأكثريـة – عماد مرمل – السفير

برغم محاولات كل من فريقي المعارضة والاكثرية اجتذاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان صوبه، إلا انه بدا واضحا ان سليمان قرر مبكرا ـ وتحديدا منذ انتخابه ـ بناء موقعه السياسي، في ساحة مزدحمة بالصراعات، وفق «مواصفات هندسية» تتلاءم وتعريفه للدور التوافقي الذي شكل أساسا رافعة لوصوله الى قصر بعبدا.

وظهر حتى الآن، ان سليمان لا يزال مستعدا لدفع كلفة أداء هذا الدور الذي يجر عليه تارة امتعاض المعارضة وطورا لوم الموالاة، مفترضا ان «المداورة» في الانزعاج منه هو دليل إضافي على «حياديته» التي لا تعني من وجهة نظره عدم اتخاذ موقف، بل اتخاذه في الوقت المناسب.
وفي هذا السياق، وجد سليمان ان الوقت كان مؤاتيا لاطلاق تصريحات «جريئة» عبر الزميلة صحيفة «الحياة»، برّأ فيها ساحة دمشق وطهران من اتهامات الاكثرية لهما بعرقلة تأليف الحكومة، وأفتى ضمنا بجواز توزير الراسبين في الانتخابات انسجاما مع ضرورات المصلحة الوطنية. وبقدر ما نالت هذه المواقف إعجاب المعارضة، فهي أثارت تململا في أوساط الاكثرية التي سُجل في مرماها هدف من «ضربة جزاء» رئاسية.
صحيح ان سليمان لم يسجل على نفسه يوما مسايرة الموالاة في اتهامها لسوريا وايران بالتأثير السلبي على الوضع في لبنان، كما انه لم يصرح مرة انه يرفض توزير الراسبين، وهذا ما ابلغه للعماد ميشال عون في غداء القصر الجمهوري قائلا له «اترك هذه المسألة لي.. أنا أرتبها على طريقتي»، لكن الصحيح أيضا ان ذلك لا يقلل من أهمية ما قاله في مقابلته الصحافية، كونه أخرج الى العلن القناعات التي يعبر عنها عادة امام زواره، مستفيدا من لحظة إقليمية مؤاتية تتيح له، إذا ما تكلم بوضوح، ان يكون صاحب موقف فعال، لا يبقى في إطار «الموعظة الحسنة». وهكذا، فهو انطلق من التفاعل الايجابي في العلاقات السورية ـ السعودية ليضع نقاطه على حروف الازمة، بما يسهل قراءتها وتحديد مكامن التعقيدات فيها.




ولعل الرئيس اختار ان يمارس «شراكته» في تشكيل الحكومة وفق توقيت ساعته هو، وليس أحدا سواه، آخذا بعين الاعتبار ملاءمة المناخ الاقليمي لقول «كلمة فصل» تتضمن في طياتها المفاصل الآتية:
ـ لا فيتو على توزير الراسبين.
ـ كل طرف يسمي وزراءه بعد الاتفاق على توزيع الحقائب.
ـ حكومة الوحدة الوطنية هي ترجمة للانتخابات النيابية التي افرزت موالاة يطغى عليها لون مذهبي معين، ومعارضة يطغى عليها لون آخر، وبالتالي لا بد من جمعهما معا في السلطة، حتى تصبح ميثاقية.

وترى جهة محورية في المعارضة ان أهمية كلام سليمان تكمن في انه فتح كوة في جدار الازمة، وكسر الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها كل الاطراف، بحيث أعطى شيئا من الدينامية لعملية تشكيل الحكومة ونجح في إعادة الملف الحكومي الى مساره الصحيح بعد فترة من الشرود، لا سيما ان رئيس الجمهورية معني مباشرة بتشكيل الحكومة وهو مؤتمن على الدستور، الامر الذي يجعل كلمته وازنة ومؤثرة. وقد ثبت ذلك من خلال الانعكاس السريع لكلامه على مواقف بعض الشخصيات المسيحية مثل البطريرك الماروني ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، اللذين انتقلا من ضفة رفض توزير الراسبين الى ضفة عدم الاعتراض عليه، بفعل قوة الدفع التي تأتت عن القصر الجمهوري.
وفي اعتقاد تلك الجهة ان البعض كان يريد ان يتلطى خلف موقع الرئيس لتبرير رفض توزير الراسبين في الانتخابات موحيا بان رئيس الجمهورية يتعاطف مع هذا الرأي، وكاد هذا البعض يبتكر بُعدا دستوريا غير موجود لنظرية عدم توزير الراسبين، فجاء موقف سليمان ليقطع الطريق على هذا المسعى ويعيد تصويب النقاش حول هذه المسألة بعيدا عن مزاجية هذا الطرف او ذاك.

وتتوقف هذه الجهة البارزة في المعارضة كذلك عند «جرأة» سليمان في تبرئة سوريا وايران من ممارسة أي دور سلبي في تعطيل تشكيل الحكومة، خلافا لرأي الاكثرية التي تحمّل دمشق وطهران المسؤولية عن العرقلة، وتمارس التهويل على من يخالفها في التشخيص، علما بأن رئيس الجمهورية كان يصف الواقع ولا يسلّف العاصمتين موقفا مخالفا لقناعته، لعلمه من موقع المطلع على العقد التي تعترض تأليف الحكومة انه ليس لسوريا وايران مساهمة في صناعتها، وبالتالي فهو الاكثر قدرة على تظهير هذه الحقيقة بشكل موضوعي وإضفاء المصداقية عليها.
وإذا كانت العلاقة بين البعض في المعارضة ورئيس الجمهورية تتسم عموما بالحذر وضعف الثقة، إلا ان هذا لم يمنع آخرين في صفوفها من الاستنتاج ان سليمان اثبت مرة أخرى انه رئيس توافقي، ليس بمعنى الحرص على إرضاء جميع القوى وتطييب خواطرها حتى لا يزعل أحد منه، وإنما بمعنى تجنب الانحياز الى جهة دون أخرى، والتصرف كحَكَم يقف بين المعارضة والاكثرية ويعرف ان يطلق صافرته في الوقت المناسب، عند حصول أي فاول سياسي، وهذا سلوك يُفترض به ان يعزز ثقة الجانبين به.
ويؤكد أصحاب وجهة النظر هذه ان العلاقة بين المعارضة عموما وسليمان هي جيدة في الاجمال، وإن شابها احيانا تباين في بعض الآراء، وبالتالي لا يمكن القول ان هذه العلاقة تحسنت بعد المواقف الاخيرة لرئيس الجمهورية لانها اصلا لم تكن سيئة.

ولئن كانت الاكثرية تتفادى قدر الامكان الانزلاق الى الاحتكاك او السجال العلني مع رئيس الجمهورية، حتى عندما تعترض على سلوكه السياسي، غير انه ليس خافيا ان التصريحات الاخيرة لسليمان قد أزعجتها، ولو انها سعت الى السيطرة على «انفعالاتها»، وربما كان الرئيس المكلف سعد الحريري الاكثر تضررا، لأنه شعر بان اوراقه التفاوضية قد تقلصت، بعدما سحب منه رئيس الجمهورية اثنتين: واحدة تتصل بتوزير الراسبين والثانية تتعلق بالدور السوري والايراني.
ويرى مصدر بارز في «الاكثرية» ان كلام سليمان بخصوص عدم توزير الراسبين يحمل أكثر من تفسير، فهو لم يعلن صراحة عن اعتماده لهذا الطرح، وإنما أشار الى انه لا يوجد نص دستوري يحول دون توزير الراسبين، وهذا صحيح، كما هي الحال مع عدم وجود نص مماثل يمنع تشكيل حكومة أكثرية، علما انه ربما يكون موقف رئيس الجمهورية نابعا من رغبته في إتاحة الفرصة امام توزير أحد المقربين منه، النائب السابق ناظم الخوري.

وفي ما خص إبعاد شبهة التعطيل عن دمشق وطهران، يعتبر المصدر انه ليس متوقعا من سليمان ان يقول شيئا آخر في هذا الاطار، باعتباره رئيسا توافقيا ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الاقليمي أيضا، وهذا يجعله ميالا الى التموضع في الوسط بعيدا عن الاصطفافات المحلية والخارجية، مفترضا انه بذلك يحمي موقع رئاسة الجمهورية ويحصنه.