//Put this in the section //Vbout Automation

البرقعة والإسلام – محمد السمّاك – المستقبل

هل كان إمام الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي على حق عندما اعترض على استخدام طالبات في كليات الأزهر للبرقع (الغطاء الذي يغطي وجه المرأة)؟.

الذين اعترضوا على موقف الإمام لم يقولوا انه مناقض للتعاليم الاسلامية. فقد دافعوا عن حق المرأة باستخدام البرقع باعتباره حقاً شخصياً من حقوقها الانسانية. اذا شاءت استعملته.. واذا شاءت أهملته. وفي حال اهماله لا تكون قد انتهكت الشريعة، واذا استخدمته فلا علاقة للشريعة باستخدامه.




والواقع ان المرأة المسلمة في أقدس المواقع الاسلامية في الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، وفي المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة تمارس الشعائر الدينية أثناء الحج أو العمرة أو الزيارة وهي مكشوفة الوجه والكفين.. وجنباً الى جنب مع المؤمنين الآخرين من الرجال. وما يصح في هذه المواقع المقدسة، يصحّ في كل موقع آخر في الحياة العامة.
من هنا فاذا استبعد من حيث المبدأ الالزام الشرعي الديني باستخدام البرقع يبقى البعد التقليدي لاستخدامه بحيث يبدو ان هذا الاستخدام يستجيب في أساسه للموروث الاجتماعي وليس للتعاليم الدينية؛ وهذا يعني ان استخدام البرقع ليس واجباً دينياً، وان عدم استخدامه ليس انتهاكاً للدين.

غير ان الاشكالية تكمن في المزج بين الدين والتقاليد. فبعض التقاليد لا تمتّ الى الدين بصلة. وبعضها ربما يتناقض حتى مع بعض التعاليم والقيم الدينية. الا ان تعلّق الناس بتقاليدهم التي تشكل جزءاً أساسياً من مكونات هويتهم ومن رؤيتهم لذواتهم تحملهم على الربط بين الديني والتقليدي. ويذهب بعضهم الى ابعد من ذلك فيسبغ على التقليدي من القداسة ما يسبغه على الديني. ويصبح بذلك الدفاع عن هذه التقاليد الاجتماعية المتوارثة في مستوى الدفاع عن الدين شرعة ومنهاجاً.
عرفت المجتمعات العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر حركات اصلاحية انطلقت من التصدي للبرقعة. وشارك في تلك الحركات علماء ورموز دينية اسلامية في مصر وسوريا ولبنان والأردن، وكذلك في المغرب والجزائر وتونس. واعتبر تحرر المرأة من البرقع تحريراً لها. وبالتالي تحريراً للمجتمع كله. حققت تلك الحركات انجازات مهمة تجاوزت موضوع البرقع الى فتح الأبواب أمام مشاركة المرأة في الحياة العامة. حتى تبوأت رئاسة الدولة في عدد من الدول الاسلامية الكبيرة مثل أندونيسيا وبنغلادش وباكستان وتركيا (وكلها دول غير عربية؟).

من أجل ذلك فان ظاهرة العودة الى استخدام البرقع من جديد في القرن الواحد والعشرين تطرح علامات استفهام ذات أبعاد اجتماعية دينية معاً. وتمهيداً لذلك أتوقف أمام القصة الرمزية التالية:

كنتُ مرة استمع بشغف وقلق معاً لبرنامج تقدمه احدى محطات التلفزة حيث يقوم احد العلماء (؟) بتقديم الفتاوى على الهواء مباشرة جواباً على أسئلة المشاهدين عندما تقدمت سيدة بالسؤال التالي : قالت : أنا طالبة في كلية الطب أتخصص في الجراحة. وأثناء دروس التشريح يؤتى بجثة لرجل من أجل دراسة تشريحها. فهل يجوز لي شرعاً وأنا سيدة مسلمة أن أنظر الى جثة رجل عار ممددة أمامي؟.

لم تقل السيدة ما اذا كانت الجثة لرجل مسلم أو غير مسلم. أو اذا كانت لشاب بالغ أو لطفل صغير. ولم يسألها استيضاحاً العالِم الجليل قبل أن يجيب عما اذا كانت وحدها في المشرحة مع الجثة.. أم انها كانت برفقة أستاذ وزملاء من الطلاب. لقد صدمني السؤال. ولم أنتظر طويلاً للاستماع الى الجواب. كانت ردة فعلي أن أقفلت التلفاز وبدأت أسأل نفسي : ماذا يحدث لمجتمعاتنا؟. ماذا لو كانت الجثة لامرأة؟ هل كان الرجال من الطلاب يطرحون السؤال ذاته؟. كيف يفرز العقل العربي القضايا المعاصرة التي يواجهها وكيف يحدد الأولويات منها : علم التشريح أولاً أو جنس الجثة؟.. البرقع أولاً أو حسن الرؤية والرؤيا؟.

ان الظاهرة المستحدثة للتوجه نحو البرقع تتجاوز في أهميتها ودلالاتها مجرد الاستعمال ولو المحدود جداً اليوم كما تتجاوز ردود الفعل الباردة على استعماله، انها تعكس ثقافة جديدة تحاول اعادة الصدقية للبرقعة من جديد. وهي ثقافة تتناقض مع الثقافة التي انطلقت منها الحملة عليه في القرن الماضي.
من هنا السؤال عن أسباب وعن جذور انبعاث هذه الثقافة وتجددها، ومن ثم عن النتائج التي يمكن أن تترتب على انتشارها من خلال ما تمثله رمزية البرقع واستخدامه !

صحيح ان انتشار هذه الثقافة لا يزال خجولاً ومحدوداً حتى الآن ، الا ان وجودها مؤشر مقلق على ان ثمة مشكلة ما في البنية المجتمعية العربية ، وفي المقومات والأسس التي تقوم عليها الثقافة العامة.
وعلى سبيل المقارنة فان بعض محطات التلفزة العربية مثلاً تعيد بثّ أغاني السيدة أم كلثوم رحمها الله التي أدّتها على مسارح القاهرة في الستينات من القرن الماضي. وعندما تتوجه الكاميرا من وقت لآخر نحو الجمهور المعجب بالاداء الفني الراقي، كلمات ولحناً واداء، يتعذر رؤية سيدة واحدة من بين الآلاف من النساء في الصالة وهي بالبرقع او حتى بالحجاب. اما اليوم فان منظر المحجبات في مثل هذه الحفلات الفنية أصبح امراًُ مألوفاً. وكم من مرة تنقل محطات التلفزة مشاهد عن حفلات فنية عامة في القاهرة أو عمان أو بيروت أو دمشق تعبر فيها سيدات محجبات عن اعجابهن وعن طربهن تصفيقاً ورقصاً.

ان انتشار الحجاب الذي يؤكد كثير من علماء الدين على ضرورته الشرعية جاء بالاختيار وليس بالفرض. ويبدو ان بدء انتشار البرقع يسلك الطريق ذاته رغم ان الكثير من علماء الدين ينفون ضرورته الشرعية، الأمر الذي يتطلّب دراسة هذه الظاهرة التي بدأت تغزو بعض المجتمعات العربية بكثير من الجدية والاهتمام. وكما قيل فان درهم وقاية خير من قنطار علاج.