//Put this in the section

فرنسا الساركوزية: علاقتنا بلبنان استثمار عاطفي فقط – أسعد حيدر – المستقبل

إلغاء زيارة برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسية الى كل من دمشق وإسرائيل، والاكتفاء بلبنان، لا يعني مطلقا ان العلاقات الفرنسية – السورية من جهة والعلاقات الفرنسية الإسرائيلية من جهة اخرى، قد تدهورت او انها تعرضت لزلزال سياسي يجب ملاحقة ارتداداته. اسباب فرنسية داخلية لعبت دوراً في ذلك، الى جانب اسباب تتعلق بطبيعة العلاقات مع تل ابيب ودمشق وتحولاتها، لعبت دوراً محركاً لهذا الحدث الذي يبقى حدثا مهما محدوداً.

"سولو"
ليس خافياً ان الوزير كوشنير يعزف منذ فترة عن ممارسة مهامه السياسية "سولو"، اي لوحده. المشكلة انه مهما كان بارعا في العزف، فإنه لا يستطيع ان ينجح. اكثر من ذلك سيظهر "نشاز" في عزفه. كفاءة كوشنير ليست السبب وان كانت موضع بحث. وزارة الخارجية الفرنسية من وزارات السيادة التي تتبع حسب نص الدستور الفرنسي لرئيس الجمهورية. الاليزيه يصوغ سياسة فرنسا الخارجية والوزير يشارك وينفذ.
الامر يعود الى مدى انسجام الوزير مع الرئيس، وتقدير الاخير للوزير. حسابات سياسية داخلية تلعب ايضا دوراً مهما. فرق كبير بين ان تكون الحكومة من حزب "غالبية الرئيس" او من الجهة الأخرى اي من "حزب الوفاق"، او انه معين لتحقيق اختراق معين كما في حالتي نيكولا ساركوزي والوزير كوشنير. ساركوزي اخترق "الحزب الاشتراكي" به ليقول للفرنسيين انه منفتح على الجميع في خدمة فرنسا. طبيعة الرئيس ساركوزي لا تسمح لاحد بالعمل معه وانما بالعمل له. لذلك كله فإن الحديث عن استبدال كوشنير ليس جديداً، لكن المشكلة ان البديل غير متوافر خصوصاً بعد رفض هوبير فيدرين رئيس وزير الخارجية الاسبق اكثر من مرة تولي وزارة الخارجية، لانه وزير بالفعل لا يتحمل ان يكون ملحقا للمستشارين في قصر الأليزيه.




الغاء زيارة كوشنير الى دمشق، جاء بعد ان زارها كلود غيان – المستشار الرئاسي والممسك بالملفات الحساسة والصعبة – وهو لا شك "المهندس المنفذ" للعلاقات بين باريس ودمشق. الدليل ان قضية محامي حقوق الانسان السوري هيثم الملاح الذي اعتقل في دمشق التي اثارها كوشنير، لم يحل دون زيارة غيان، علما انه كان قد اعتقل قبل ذلك بأيام.
المسألة الثانية، تأجيل التوقيع على اتفاق الشراكة من طرف دمشق. الجديد في ذلك، ان دمشق عندما كانت معزولة ومحاصرة، قدمت التنازلات لتفك الحصار والعزلة عنها، فقبلت باتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي كما عرض عليها، خصوصا بما يتعلق بملف حقوق الانسان الذي لم يعرض على دول اخرى في المنطقة لديها مشاكل مع هذا الملف. حالياً شعرت دمشق بالقوة ولم تعد مستعدة لتقديم التنازلات، وهي قالتها علانية خلال زيارة وزير الخارجية وليد المعلم في الشهر الماضي. في باريس قال المعلم وبحضور كوشنير انه لن يوقع اتفاق الشراكة اذا تم اقرار الشروط السياسية فيه. ويبدو ان كوشنير لم يصدق ذلك، فأضاف المعلم: لقد حاصرتمونا وعزلتمونا فعملنا ضدكم. حاليا تتعاملون معنا ونتعامل معكم. اي سياسة الند للند.

بيغو السفير الفرنسي المتحيز
في باريس يقول المتابعون للسياسة السورية لفرنسا، ان الرئيس نيكولا ساركوزي يعمل على علاقات استراتيجية مع دمشق في وقت تراجع فيه نفوذ فرنسا في المنطقة. وهو يرى ان لدمشق حضوراً مهماً في كل ملفات المنطقة وأحيانا هذا الحضور يكاد يمسك بمفاصل اساسية يمكنه من التحكم بمسارات معينة بصرف النظر عن التكتيكات التي يتبعها، ولذلك فإنه من خلال العلاقة المشتركة يمكن لباريس ان تدخل على خط هذه المسارات، سواء في فلسطين والنزاع مع إسرائيل والعراق وتركيا ولاحقاً ايران. وانه في هذه العلاقة يمكن المشاركة في الاستثمار سياسياً وحتى اقتصادياً، ومن ذلك ان باريس الساركوزية، كانت تحضر لإقامة شركات مشتركة مع دمشق للاستثمار في العراق في مختلف الحقول لولا انفجار الازمة العراقية – السورية. وان هذه الأزمة أجلت المشاريع ولم تلغها.

ايضا، يراهن ساركوزي بقوة على مشاركة الرئيس بشار الأسد في المؤتمر الذي يزمع عقده في باريس حول الشرق الأوسط في اطار البحر المتوسط. ولا شك، برأي ساركوزي، ان الاسد يشكل مفتاحاً اساسياً في انجاح انعقاد هذا المؤتمر في الشهر المقبل، لأنه بهذا يضع ساركوزي نفسه في مسار مساعي الحل السلمي للنزاع العربي – الإسرائيلي، وانه ايضاً يفرض نفسه بذلك على الرئيس الأميركي باراك اوباما الذي اصبحت الخلافات بينهما علنية الى درجة ان ساركوزي اصبح يردد في مجالسه ان اوباما رئيس ساذج وان التطورات ستفرض عليه العودة اليه والعمل برأيه.

أما في ما يتعلق بالخلاف مع إسرائيل، فإن كوشنير يختلف في انحيازه الى الموقف الإسرائيلي مع رئيسه ساركوزي في الشكل وليس في المضمون، لكن حتى هذا الشكل متعب ومقلق لإسرائيل. كوشنير الذي يحب مرافقة الكاميرا له، سينقل "صورة سوداء" عن الوضع الانساني في غزة في وقت تعاني إسرائيل من تقرير غولد ستون، ولذلك فإن الرفض الإسرائيلي هو ضد "صورة كوشنير وليس ضد فرنسا". ما يؤكد ذلك ان السفير الفرنسي الجديد في إسرائيل كريستوف بيغو والذي استقدمه كوشنير الى الخارجية وعمل معه كمستشار اساسي، زايد- كما كشفت الصحف الفرنسية- على الإسرائيليين في تل ابيب. فقد نقل عنه قوله امام صحافيين فرنسيين وإسرائيليين انه غير صحيح ان الجنود الإسرائيليين قتلوا عن سابق تصور وتصميم مدنيين فلسطينيين في غزة. بهذا زايد السفير الذي كان يفاوض ممثلي "حزب الله" في باريس، على الجنود الإسرائيليين الذين كشفوا وقائع القتل العادي في غزة واستخدام الجيش الإسرائيلي للفوسفور الابيض ضد المدنيين الفلسطينيين.
لبنان.. "استثمار عاطفي"

يبقى ان زيارة كوشنير الى لبنان لن تقدم او تؤخر بشيء، ما عدا محاولة كوشنير الايحاء بأنه قدم دعماً واضحاً لتشكيل الحكومة اللبنانية. مع العلم ان لبنان بالنسبة لفرنسا الساركوزية، ليس اكثر من إستثمار عاطفي، وانه في الوقت الذي اصبح للبنان مؤسساته الدستورية، فإنه حان الوقت لكي يحل مشاكله بنفسه.

"الساركوزية" تكاد تكتمل سياسة ونهجاً وأسلوباً في الداخل والخارج مع نهاية نصف الولاية الرئاسية لنيكولا ساركوزي. الرئيس نيكولا ساركوزي يريد ان يكون حاضراً في كل الملفات الداخلية والخارجية معاً. مشكلته ان "عينه بصيرة ويده قصيرة" خصوصاً بعد افتعاله خلافا حقيقيا مع الرئيس باراك اوباما بعد ان كان توّاقاً للعب دور طوني بلير معه، كما كان الوضع مع جورج بوش الابن.