هل يُوَكّل الهر بالجبنة ؟ – سركيس نعوم – النهار

يوم الثلثاء الماضي الواقع فيه 13/10/2009 كتب زميلنا في المهنة تركي عبد الله السديري رئيس تحرير صحيفة "الرياض" السعودية مقالاً عن لبنان قال في منتصفه تقريباً "مشكلة لبنان انه يصعب ان تقوم فيه حكومة قادرة على قيادة الجميع داخل حدوده لأن مَنْ هم مختلفون داخل تلك الحدود هم حكومات خاصة لمواقف خاصة ومصالح خاصة (…)". ثم أنهاه بمقطعين كبير وصغير قال في الأول: "هي مهمة صعبة عندما نقول لماذا لا يعود لبنان الى سوريا حيث فيها حكم قوي قادر على إدارة تعدد الحكومات داخله. وفي هذا الحل الصعب لن تستفيد سوريا بالدرجة الاولى لكن لبنان هو المستفيد الأول"… أما في الثاني فقال: "ان "سايكس – بيكو" هي التي فصلته (لبنان عن سوريا) فلماذا لا تعيده عروبته"؟

أثار المقال المذكور استغراباً اكثر مما اثار ضجة. واثار تساؤلات لأن كاتبه صاحب موقع مهم في مهنته وفي علاقاته بالعائلة المالكة في بلاده ولأن نشره جاء بعد قمة سورية – سعودية استضافتها دمشق وسبقتها قطيعة او جفاء استمر منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما تلاه من تطورات سلبية لسوريا في لبنان، وما كان لينتهي لولا مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز الى مصالحة الرئيس بشار الاسد في القمة العربية في الكويت اقتناعاً منه بأن ظروف المنطقة وتدهور احوال العرب والتهديد الذي يتعرضون له من اكثر من جهة اقليمية في مقدمها اسرائيل وتليها ايران الاسلامية تفرض هذه المصالحة. ولأنه جاء أيضاً (اي النشر) في مرحلة لبنانية دقيقة جداً هي مرحلة تأليف حكومة جديدة من "الحكومات الخاصة" التي اشار اليها الزميل السديري. وتلك مهمة ظن اللبنانيون ولا يزالون انها ستبقى مستحيلة التنفيذ في حال احجمت سوريا والسعودية عن التعاون الفعلي لإزالة العقبات من طريقها.




لذلك، وتوضيحاً لما اثاره مقال السديري، قام كاتبه بنشر مقال توضيحي له في اليوم التالي لنشره اياه أي في 14/10/2009. وبدا من خلال آخر مقطع فيه انه كما يقول مثل لبنان: "بدلاً من ان يُكحِّلها عماها". ذلك انه، أنهى توضيحه بالقول: "أردت ان اقول ان السلام في لبنان لن يتوافر الا بفرضه بواسطة قوة من خارجه". والفارق الوحيد بين المقال ثم توضيحه هو انه لم يسمِّ سوريا او لم يقترحها لفرض "القانون" في لبنان. لكنه تمسك بنظرية عدم أهلية الشعب اللبناني لإقامة حكم مستقر أو ربما دولة، هذا اذا توسعنا في تفسير ما كتبه.

وفي اليوم الثالث كتب الزميل السديري توضيحاً ثانياً قد يكون الاخير رداً على اتصالات زملاء واستفساراتهم اعترف فيه بالخطأ معتبراً ان كل ذلك "ليس خطأ متى وجد" وقدم اعتذاره معتبراً انه "مارس" خطأ في التصور وفي التعبير". لكنه قال في متن التوضيح الثاني: "ألسنا نعيش في عالم عربي كثير النزاعات والاخطار؟ إذاً لماذا لا نحاول ان نعين أي دولة أو مجتمع على بناء وحدته من داخله"؟ وفي هذا القول تكرار غير مباشر لحاجة لبنان الى مساعدة الخارج العربي أو السوري كما اعتبر في المقال الأول أو لأي قوة من خارجه كما اعتبر في التوضيح الأول.
لماذا التعليق اليوم على موقف رئيس تحرير "الرياض" الزميل تركي عبد الله السديري؟

لا يهدف التعليق الى توجيه انتقاد اليه هو الذي يؤكد عارفوه، وأنا لست منهم، حبه للبنان وتألمه لأوضاعه الصعبة وتوقه الى رؤيته سليماً معافى مع دولة قوية وعادلة. ولا يهدف الى انتقاد المملكة العربية السعودية التي يحفل تاريخها بمساعدة لبنان ايام محنته أو بمحاولة مساعدته رغم انها لم تنجح دائماً سواء لشدة انقسام اللبنانيين بل تشرذمهم أو لبراعة الخارج الممسك بلبنان ومدير دفة الحروب والنزاعات فيه تحقيقاً لاهدافه وفي مقدمه سوريا واليوم ايران الاسلامية، او "لطيبة" حكّام السعودية وسهولة تصديقهم الخارج أي خارج فكيف اذا كان شقيقاً لهم، او لحرصهم أولاً على تحقيق مصالحهم، فاذا تعارضت مع لبنان وتوافقت مع الخارج المذكور كان به وكفى الله المؤمنين شر القتال. بل يهدف التعليق الى الاشارة الى امور ثلاثة مهمة. الأمر الأول، اتفق فيه تماماً مع وصف الزميل السديري في مقاله والتوضيحين الوضع اللبناني الداخلي. فهو وضع إصبعه على الجرح وإن لم يسمِّ الامور باسمائها ربما انسجاماً مع التحفظ الذي درج عليه السعوديون فصار عادة أو طبيعة ثانية وذلك عندما رمى مسؤولية الحال التعسة للبنان على شعبه المنقسم والحكومات الخاصة التي ترفض حكومات عامة… (طوائف ومذاهب وزعامات ومعالم خاصة…). والأمر الثاني، اتفق فيه ايضاً مع الزميل السديري وهو ان لبنان وبسبب انقساماته صار في حاجة الى قوة من خارجه لوقف حروبه وانهاء ازماته واقامة دولة فيه ومنع تجدد حروبه واعادة الاستثمارات اليه من عربية وغير عربية. والامر الثالث، اتفق فيه مع الزميل السديري وهو ضرورة ان "نُعين (كعرب) أي دولة أو مجتمع على بناء وحدته من داخله" وخصوصاً اذا بدا ان ابناءها أو ابناءه عاجزون عن ذلك.

إلا انني لا اتفق مع الزميل السديري على أمرين. الأول، اقتناعه على ما يبدو بأن عودة لبنان الى سوريا ضرورة أو حتمية "لأن سايكس – بيكو هي التي فصلته (عنها) فلماذا لا تعيده عروبته (اليها)". ومع اعترافنا بما فعلته "سايكس – بيكو" في العقد الثاني من القرن العشرين (الماضي) في "الأمة العربية" و"الأمة الاسلامية" فإننا نعتقد ان العودة عنه لم تعد ممكنة او مجدية او مفيدة فضلاً عن انها تثير حالاً من الفوضى تمس كل العالم العربي ولا نظن ان السعودية نفسها قد تسلم من التغيير ايضا. اما معالجة "روح الانقسام" الذي ولّدته هذه الـ "سايكس – بيكو" فتكون بالتعاون والتكامل على الاقل في المراحل الاولى وليس بالاطماع والشهوات وحب الاستيلاء والسيطرة والوصاية والهيمنة. الأمر الثاني، اقتناعه بأن في سوريا حكماً قادراً على اذابة تعدد الحكومات داخله (لبنان)…" وتجربتنا مع سوريا او تجربتها معنا، لا فرق، لا تدل على ان لبنان استعاد بواسطة وجودها فيه او حكمها له مباشرة على مدى 15 سنة وحدته وعافيته… اذ كان الانقسام أثناء حروبه (1975-1990) طائفياً اي بين مسيحيين ومسلمين. وعندما فوّض العرب والعالم في الطائف عام 1989 الى سوريا انهاء الحرب ومساعدة اللبنانيين على الوحدة وعلى بناء الدولة والمؤسسات صار الانقسام مذهبياً أي بين المسلمين سنة وشيعة. وهو مرشح للتفاقم والتحول فتنة وربما حرباً. وتجربتنا مع سوريا وتجربتها معنا، تدلاّن على ان لسوريا "اجندة" لبنانية أي خطة ذات اهداف تستعيد لبنان فعلياً من دون ان تستعيده رسمياً بحيث يصبح مداها الحيوي باعتبار ان الدول الاخرى المجاورة لها ليست "لها" كما يقال. والتجربتان ايضاً تدلان على ان ازالة الانقسامات لم تكن هدفاً سورياً بل كان الهدف ابقاءها ومنعها من التحول اضطرابات وحروباً الا اذا قضت مصالحها بذلك.

في اختصار قد يكون لبنان في حاجة الى قوة من خارجه لإعادة بناء نفسه. لكن هل هناك قوة منزهة عن المصالح والاطماع في المطلق؟ والا تحد الجغرافيا احياناً من مجال الاختيار على هذا الصعيد؟ أوليس لبنان بين جارين عدو غاصب وطامع وغاشم، وشقيق طامع بدوره لكن على نحو مختلف؟ ويذكّر السؤالان بمثل لبناني ربما يكون عربياً أيضاً أو عالمياً لا أدري هو الآتي:
"هل يُوَكَّل البسيْن (الهر) بالجبنة"؟ أو مثل "من يُوَكِّل البسيْن بالجبنة" مع الاعتذار اذا اعتبر البعض هذا المثل اساءة لأنه ليس كذلك فضلاً عن ان الاساءة ليست هدف ايراده.