عضوية لبنان في مجلس الأمن: فرصة للعب دور دولي بنّاء – راغدة درغام – الحياة

منذ تأسيسه، لم يكن مجلس الأمن في أي حقبة من تاريخه هيئة مستقلة عن أجواء العلاقات الثنائية بين الدول الكبرى أو عن المصالح الإقليمية والدولية للدول الخمس الدائمة العضوية التي تملك وحدها حق النقض (الفيتو). الدول العشر المنتخبة لفترة سنتين ليس لها الوزن الفردي التعطيلي – كـ»الفيتو»، انما في وسعها ان تشكل جماعياً ما يوازي حق النقض إذا حجبت التسعة أصوات الضرورية لتبني أي قرار. في زمن الاستقطاب، أو في زمن التهادنية، يبقى مجلس الأمن بوصلة تؤشر الى نوعية العلاقة الأميركية – الروسية (علماً أنه كان ساحة حروب الفيتو المتبادلة وكان أفضل مؤشر للعلاقة الأميركية – السوفياتية أثناء الحرب الباردة)، والعلاقة الأميركية – الصينية (علماً أن الصين ربما هي أبرز الدول التي استفادت من عضوية مجلس الأمن عبر الامتناع عن التصويت)، وحتى العلاقة الأميركية – الأوروبية (علماً أن المواقف الفرنسية والألمانية من حرب العراق في مجلس الأمن أثارت عداوة عبر الأطلسي بين الدول الغربية). اليوم باراك أوباما يمر عبر الأمم المتحدة – بما في ذلك مجلس الأمن – الأمر الذي يترك أثره ليس فقط على نوعية العلاقة الأميركية – الدولية وإنما أيضاً على كيفية تعاطي الدول الكبرى مع بعضها في الملفات الإقليمية عندما تتداخل السياسات والمصالح في استراتيجيات متضاربة، أو متنافسة، أو متطابقة. ايران احدى هذه الملفات. اسرائيل أيضاً أصبحت ملفاً مختلفاً عن السابق، إذ أنها تشعر أن إدارة أوباما تسحب عنها الحماية المعهودة من المحاسبة، ومجلس الأمن لم يعد، كما في الماضي، هيئة محظورة عن تناول اسرائيل وتجاوزاتها. لذلك، ان مجلس الأمن مقدم على مرحلة جديدة ومختلفة تنطوي ربما على إحدى أهم المراحل التي مر بها – ليس بإصداره قرارات تخوّل الحروب أو تفرض العقوبات عشوائياً، وانما لمرور القضايا الدولية الكبرى عبره في زمن الانخراط البنّاء الذي يعتمده باراك أوباما أساساً في السياسة الدولية للولايات المتحدة القائمة على الحوار. من هنا، ان عضوية بلد كلبنان في مجلس الأمن لعامي 2010 و2011 مفيدة له إذا أحسن استخدامها كفرصة لتقوية سيادة الدولة ولإثبات نفسه بلداً مسؤولاً لا تسيّره النزاعات أو الأزمات. عندئذ سيكون في وسع لبنان أن يفرض نفسه على الساحة الدولية دولة مستقلة حقاً تحسن التصرف بموجب الموقع الرفيع ليثبت انه جدير بالتقدم والاحترام وليس ضحية الابتزاز أو ضحية سياسات التعطيل وبدعها المختلفة.

ساد رأيان أساسيان قبل انتخاب لبنان عضواً في مجلس الأمن، أحدهما تميز بالخوف على ومن لبنان كعضو في المحفل الدولي الذي يلزمه باتخاذ موقف علني – حتى ولو مارس الامتناع. والآخر تميز بالتفاؤل بانعكاس هذه المسؤولية الجديدة ايجاباً على مسيرة لبنان نحو السيادة الحقيقية للدولة.




في البدء، كانت الإدارة الأميركية في طليعة الخائفين والحذرين إذ انها أبلغت رأيها عبر مختلف القنوات وحاولت إقناع المملكة العربية السعودية أن تأخذ مكان لبنان في الترشيح للمقعد الآسيوي على أن تكون للبنان فرصة العضوية لاحقاً بعدما يعبر هذه المرحلة الصعبة ويتبادل المقعد مع السعودية.

ما تخوفت منه الإدارة الأميركية هو ان يدفع لبنان مقابل تصويته على مختلف القضايا – وفي طليعتها إيران – ثمناً سياسياً في بيروت، بل في شوارع بيروت، كما نقلت المصادر المطلعة. خافت واشنطن من أن يهتز لبنان لأبسط القرارات، وخافت من طريقة اتخاذ القرار في بيروت وخافت على لبنان في مرحلته الانتقالية. ولذلك سعت وراء اقناعه بالعدول عن الترشيح بانتظار وقت أفضل كي، كما قال أحدهم، «يقطف الورد من دون الشوك بدلاً من إمكانية أن يقطف الشوك بلا ورد». انما كان كل ذلك بنبرة النصيحة وليس بنبرة الإصرار أو التهديد. وعندما حسم رئيس الجمهورية ميشال سليمان الأمر بإعلانه من منبر الجمعية العامة مضي لبنان بترشيح نفسه، تراجعت حتى النصيحة وأخذت الإدارة الأميركية في حسابها عضوية لبنان في التركيبية الجديدة لمجلس الأمن.

ما أخذته في حسابها هو ان لبنان لن يكون بلداً تُحسب مواقفه بأوتوماتيكية، وانه سيكون مقيداً بكثير من القيود الداخلية والإقليمية عند التصويت على قرارات مجلس الأمن سيما المعنية بالشرق الأوسط – بما في ذلك القرارات المعنية بلبنان. حسبت الإدارة الأميركية أن عضوية لبنان في المجلس قد تؤثر سلباً على الوضع الداخلي المحلي وقد تعرّض الجهود الرامية لاستتباب الاستقرار الداخلي الى التقويض أو الى الاهتزاز.

وبحسب تقويم البعض في الإدارة الأميركية، ان المناقشة الحادة في لبنان لأي موقف يتبناه في مجلس الأمن – حتى وإن كان امتناعاً – ستشكل نواة إضافية للمزيد من الانقسام، وهذه قد تؤدي الى تأجيج الوضع السياسي الذي يتميز باللااستقرار والمساومات والتعطيل والمزايدات. فحتى في ما يخص قرارات مجلس الأمن المعنية بلبنان مثل 1559 و1701 وقرار إنشاء المحكمة الدولية، هناك نقاش واختلاف مواقف وآراء متباينة وانقسام. كذلك عندما يتعلق الأمر بإيران. ولذلك، يرى البعض في الإدارة الأميركية ان العضوية في مجلس الأمن ليست مفيدة وإنما قد تؤذي جهود الوفاق والاستقرار.

من ناحية وزن لبنان في مجلس الأمن، الأرجح أنه لن يكون الطرف الذي يغيّر الموازين أو يعيق أو يصنع القرار. قد يسبب الخسارة للولايات المتحدة في بعض القضايا إذ أنه قد لا يتمكن من الالتحاق بالإجماع الذي تسعى وراءه. لكنه لن يكون حاسماً سوى لو حدث ان الولايات المتحدة – أو غيرها – لم يتمكن من حشد 9 أصوات وراء قرار – لتبنيه أو لإسقاطه، عندئذ يصبح صوت كل دولة منتخبة في غاية الأهمية.

من هنا، ما قد يميّز العضوية اللبنانية في مجلس الأمن هو كيفية الاستفادة من الفرص المتاحة للبنان كي تكون كفة المخاطر أخف وزناً. الفرصة متاحة ليثبت لبنان انه قادر على التصرف والمساهمة كدولة مسؤولة في مجلس الأمن لا تسيّرها النزاعات والأزمات ولا تخضع لإملاءات من الداخل لاعتبارات داخلية.

أما إذا فشل لبنان في ممارسة مثل ذلك الدور فإنه لن يلقى التفهم ولن يمضي بلا مساءلة إذا تصرف كمعطّل لأعمال مجلس الأمن. فهذا مجلس دولي معني بالأمن والسلم الدوليين ولن يخضع لاعتبارات ضيقة لدولة عضو فيه سيما إذا كانت دولة منتخبة ومطالبة هي نفسها بتنفيذ قراراته.

الرهان هو على دور الدولة والإصرار على سيادتها في ممارسة دورها باستقلالية وبمسؤولية. عندئذ لا ضرورة للتحدث عن تصويت يضع لبنان بين السلم الأهلي وبين الاعتبارات الدولية. فإذا صدف وانعكست أجواء التهادنية والتفاهم بين الولايات المتحدة وايران في مجلس الأمن، تكون تلك صدفة جيدة. وإذا بدأ شد الحبال بين واشنطن وموسكو في الشأن الإيراني، مثلاً، يكون مفهوماً أن يعارض لبنان الإسراع الى تشديد العقوبات. أما إذا كان الأمر عبارة عن أكثرية عربية توافق مع أكثرية الأسرة الدولية بأن الوقت حان لصرامة الموقف مع إيران بعقوبات إضافية، سيكون لبنان في موقع لوم إذا رفع يده وحده معارضاً ذلك الإجماع.

الوضع يختلف لو كانت الولايات المتحدة في صدد إبرام الصفقات والتفاهمات مع ايران وإسرائيل أو سورية ثم في الوقت ذاته توقعت من لبنان أن يقف في «بوز المدفع». لذلك، من الأهمية للبنان أن يراقب أجواء العلاقات الدولية والإقليمية لخلق الفرص والاستفادة من المناسبات.

فهناك مجال للبنان، وهو يجلس الى طاولة مصغرة من 15 دولة، أن يتصرف بثقة ليقول للأميركيين وللروس وللصينيين والفرنسيين والبريطانيين: أنا هنا. هذه مناسبة للقول: مر عبري. أي أن هناك مجالاً ليلعب لبنان دوراً رائداً تتزاحم وتتنافس عليه دول المنطقة وهو دور الوسيط، أو القناة، أو الجهة التي تمر عبرها السياسات الدولية نحو المنطقة. وفي هذا الدور الكثير من الاعتبار.

وهنا، في هذا الطرح، يبرز الرأي القائل أن الإصرار على المضي بترشيح لبنان لمقعد في مجلس الأمن هو القرار الصحيح. فلو تراجع لبنان عن الترشيح الذي حصل عليه قبل 20 سنة لكان تصرف وكأنه دولة فاشلة غير قادرة على الحكم أو الاستقلال. فحتى لو كان لبنان مضطراً ليكون «الصوت الممتنع» فإن ذلك أفضل من الهروب من فرصة عودة لبنان الى مجلس الأمن بعد غياب 56 سنة. فلو قال لبنان «لسنا جاهزين» لكان ذلك طعناً في السيادة.

القائلون بهذا الرأي يشيرون الى ان انتخاب لبنان هو قمة ترجمة تعزيز مفهوم سيادته واستقلاله وهو تكليل للجهود الدولية الداعمة للبنان كبلد تنوع ومؤسسات ومركز حوار. يقولون ان عضوية مجلس الأمن هي ضمانة للبنان ووحدته عكس ما يقال عن كونها دافعاً للانقسام. يقولون ان هناك ثوابت للسياسة الخارجية اللبنانية التي ستعفيه من الاستشارة في كل شاردة وواردة في غياب حكومة – إذا لم تتشكل مع مطلع السنة المقبلة. ويؤكدون أن آلية اتخاذ القرار تدحض إمكانية التعطيل لأن هذه الآلية ليست في حاجة الى قرار يتطلب تغيير الثوابت العامة.

يقولون ان التعطيل هو الذي يتطلب آلية تستدعي الخروج عن الثوابت، وليس العكس، وأصحاب هذا الرأي يعتبرون انتخاب لبنان لعضوية مجلس الأمن «ضمانة ووقاية وحماية» إضافية للبنان. لماذا؟ لأنه عندما يكون البلد في قلب صنع القرار، يكون لديه منبه مبكر إذ أنه يستفيد من كونه قريباً من الدول الكبرى ويستطيع أن يفهم أولوياتها. وبالتالي سيكون قادراً على فهم التوجهات والترقب المسبق بدل أن يكون آخر من يعلم.

الرهان هو على ألا يكون في مصلحة أحد أن يؤزم الوضع داخلياً أو أن يسبب للبنان احراجاً يقوّض من احترامه وسيادته واستقلاله على الساحة الدولية. ثم ان من المهم لكل المعنيين أن يتعمقوا في فهم ما يجري في مجلس الأمن وكيف تسير المفاوضات وكيف يتم بناء الإجماع وكيف تُسقط قرارات – إذا كان في ذهن أحد وهم استخدام عضوية لبنان لمحو قرارات أو إسقاطها. فلا أساليب التعطيل تسقط قراراً ولا أية قوة ابتزاز أو مقايضة. لذلك لا حاجة لنقل مناهج التعطيل من الساحة اللبنانية الى الساحة الدولية، أولاً لأن في ذلك إساءة للبنان وقضماً من صدقية البلد وسيادته، وثانياً، لأن هذه المناهج على الساحة اللبنانية لن تأتي بمردود ولا بمفعول إذا مورست في ساحة مجلس الأمن.

وأخيراً، ان القضايا المهمة في مجلس الأمن ستشمل على الأرجح العملية السلمية للشرق الأوسط لأن إدارة باراك أوباما أوضحت انها تريد لمجلس الأمن وأعضائه أن يكونوا شركاء في صنع السلام الفلسطيني – الإسرائيلي وفي صنع السلام في الشرق الأوسط. الجديد أن إسرائيل لن تبقى معفاة من المحاسبة في مجلس الأمن ان كان ذلك بفضل تقرير غولدستون الذي جاء فيه ان إسرائيل ارتكبت جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية في غزة، وكذلك «حماس». أو ان كان ذلك نتيجة السياسة الأميركية العازمة على الدفع الى الأمام بسلام عادل وإنهاء الاحتلال.

المهم ان هذه فرصة مميزة للعب دور مسؤول وبنّاء وقد يكون تاريخياً إذا مارس مجلس الأمن مسؤولياته بالعمل الجماعي على الإقناع دون التخلي عن ثقافة عدم الإفلات من العقاب التي باتت من أهم المبادئ الدولية في عصرنا هذا. وللبنان فرصة أن يكون طرفاً في هذه المرحلة الفائقة الأهمية من السياسة الدولية المبنية على القانون والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب.