باريس لا ترى تفسيراً لعدم انعكاس إيجابية قمّة دمشق على الأزمة الحكومية – نقولا ناصيف – الأخبار

توازي الحيرة التي يشكو منها الداخل بين موجات تشاؤم وأخرى تفاؤل حيال ما أضحت عليه جهود تأليف حكومة الوحدة الوطنية، حيرة مشابهة في أوساط دبلوماسية غربية تهتم هي الأخرى بتعثّر الاستحقاق الحكومي. لم تفضِ القمّة السعودية ـــــ السورية بعد إلى نتائج ملموسة ومباشرة على الأزمة الحكومية اللبنانية، ولا رسا الحوار الداخلي المتقطع على تفسير واضح للإخفاق يضع سقفاً نهائياً لشروط الأفرقاء كي يتيقنوا من تأليف الحكومة أو تعذّره.

تساور الحيرة أيضاً مطّلعين على الموقف الفرنسي الذي واكب في الأسبوعين الأخيرين جهود التأليف على خطّي دمشق بزيارة الأمين العام للرئاسة كلود غيّان في 4 تشرين الأول، وبيروت بزيارة المستشار الخاص للرئيس، هنري غينو، في 2 تشرين الأول. في سوريا وفي لبنان معاً قال الموفدان لمسؤولي البلدين إن باريس لا تطلب من دمشق التدخّل في تأليف الحكومة اللبنانية، لأن الموقف الفرنسي الدائم هو أن على سوريا عدم التدخّل تحت أي ذريعة في الشؤون الداخلية لهذا البلد. لكن باريس قالت أيضاً إن على اللبنانيين حلّ مشكلتهم بأنفسهم وتأليف حكومتهم الوطنية. ينسحب ذلك على كل ما يتصل بشؤونهم الداخلية، من غير إتاحة المجال لتدخّل خارجي. أصرّ على هذا الموقف غيّان في حديثه مع الرئيس السوري بشّار الأسد بقوله إن التأليف مسؤولية لبنانية، وسمع بدوره موقفاً متطابقاً من الأسد يعبّر عنه على أساس أنه وجهة نظره في هذا الموضوع. ويُنتظر أن يكرّر وزير الخارجية برنار كوشنير الموقف الفرنسي نفسه لدى زيارته بيروت بين 22 تشرين الأول و24 منه، ومن ثم دمشق.




إلا أن لا تطور ملموساً عبّرت عنه، بحسب المطلعين على الموقف الفرنسي، قمّة دمشق حيال الأزمة الحكومية اللبنانية، وخصوصاً أن الأفرقاء المعنيين أقرّوا مراراً بتأثير الرياض ودمشق على الوضع الداخلي، والموالون والمعارضون سواء بسواء استمهلوا وراهنوا على نجاح القمّة السعودية ـــــ السورية كي يخرج لبنان من أزمته.
مع ذلك، أتاحت قمّة دمشق لباريس تسجيل ملاحظات منها:

1ـــــ أنها راهنت هي الأخرى على انعكاسات إيجابية مباشرة للقمّة على تأليف الحكومة اللبنانية، من غير أن تتجاهل تناولها مواضيع أخرى تبدو للبلدين متقدمة على الوضع اللبناني أهمية. إلا أن للقمّة أهمية خاصة في رأي باريس، تتصل أولاً برمزية انعقادها على الأراضي السورية، وثانياً بالمصالحة السعودية ـــــ السورية التي لا تقل كهدف في ذاته تأثيراً عن الملفات التي يختلف عليها البلدان.

2ـــــ ترى باريس أنه يقتضي كذلك عدم تقليل أهمية الجانب الشخصي في المصالحة، وخصوصاً بين الملك عبد الله والأسد، فأتت القمّة تكرّس مصالحتهما الشخصية قبل مصالحة بلديهما نظراً إلى الآثار السلبية التي خلفتها خلافات الرجلين. ووجدت باريس في مبادرة الأسد المشاركة في افتتاح جامعة الملك عبد الله في جدّة مفاجأة، مهدّت لإعادة فتح الحوار الشخصي، ثم السياسي. لكن يبدو، في تقويم الموقف الفرنسي، أن ترجمة تحسّن العلاقات الشخصية ستستغرق وقتاً.

3ـــــ بلغ إلى باريس من مصادر شتى أن عبد الله والأسد اكتفيا بمناقشة عامة للملفات التي يختلفان عليها، من دون الخوض في تفاصيلها، واتفقا أساساً على مبدأ التوصّل إلى حلول للأزمات الإقليمية المتصلة بموقفي الرياض ودمشق منها. أما وضع ما قرّراه موضع التنفيذ، فهو في عهدة معاونيهما والمسؤولين المعنيين، الأمر الذي يبرّر ربما تباطؤاً ملحوظاً في انعكاس النتائج الإيجابية لقمّة دمشق على الأزمة الحكومية. لم يطفُ إلى سطح القمّة عن لبنان سوى قول عبد الله والأسد إنهما متفقان على تأليف حكومة وحدة وطنية.

4ـــــ تقول باريس بضرورة استعجال تأليف الحكومة اللبنانية لأسباب ثلاثة على الأقل: أولها عدم ترك البلاد في فراغ سياسي حاد ولا سيما بعد انتخابات نيابية شفّافة أدت إلى أكثرية وأقلية اعترفتا كلتاهما بنتائجها. ثانيها ضرورة المسارعة إلى مباشرة إصلاحات داخلية بغية تمكين لبنان من الإفادة من المساعدات التي قدّمها له المجتمع الدولي في مؤتمر باريس 3، وتنطوي على مبالغ ضخمة لا يمكن إنفاقها قبل تكوين سلطة إجرائية جديدة يتفق عليها اللبنانيون وإجراء إصلاحات إدارية واقتصادية أساسية تعهّدها لبنان عام 2007، وخصوصاً في موضوعي الكهرباء والهاتف الخليوي. ثالثها السيطرة على الوضع الأمني بعد الحوادث الأخيرة المتنقلة بين بيروت وضاحيتها الجنوبية وطرابلس وصولاً إلى الجنوب، على نحو يوفر للجيش والأجهزة الأمنية غطاءً سياسياً جامعاً يمكّنه من الإمساك تماماً بالاستقرار الداخلي.

5ـــــ دون أن يكون بالضرورة على صلة بالمحكمة الدولية ومسارها، تعتقد باريس أن الملك السعودي والرئيس السوري تبادلا إشارات واضحة حيال اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي لا يمكن طيفه وذكراه إلا أن يكونا في أحد جوانب حوارهما، فضلاً عن أن اغتياله كان في صلب تدهور علاقات البلدين في الأعوام الأخيرة. إذ من غير الممكن اجتماع الزعيمين إلى طاولة حوار، من دون أن تتأكد الرياض من مسؤولية ـــــ أو عدم مسؤولية ـــــ سوريا عن هذا الاغتيال، ودون أن تدحض دمشق بدورها أي اتهام يحمّلها وزر جريمة الاغتيال