التأقلم اللبناني والتمرين السوري – وليد شقير – الحياة

سعى معظم الفرقاء اللبنانيين الى الإفادة من عقد القمة السعودية – السورية وإيجابياتها، في معالجة خلافاتهم التي أبقت لبنان بلا حكومة لأكثر من 4 أشهر إثر الانتخابات النيابية في 7 حزيران (يونيو) الماضي، ولم يغامر أي من هؤلاء الفرقاء في معاكسة ما انتهت اليه القمة في شأن لبنان من توافق على تسريع قيام الحكومة، سواء في البيانين السعودي والسوري اللذين صدرا عن القمة، أو من خلال الاتصالات التي أجرتها كل من الرياض ودمشق مع حلفائهما، لاعتماد المرونة وتسهيل ولادة هذه الحكومة.

وإذا كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس السوري بشار الأسد توافقا، بين ما توافقا عليه، على عدم التدخل في التفاصيل اللبنانية وترك اللبنانيين يعالجون عِقَد التأليف، بالاعتماد على فهمهم لطبيعة المرحلة الجديدة التي أطلقتها القمة، بإنهائها مرحلة الخلافات بين الدولتين في سياق دينامية جديدة للتعاطي مع الأزمات العربية والإقليمية، فإن قرار عدم التدخل هذا هدف على الأرجح الى جعل اللبنانيين يعتادون على التسويات في ما بينهم من دون تسليم مقاليد الأمور للخارج بالكامل. هكذا يمكن أن يمارسوا التمرين المتعب الذي يجعل من الخارج عاملاً مساعداً، بدلاً من أن يكون عاملاً مقرراً، مثلما كان في مرحلة الخلافات وتصاعدها وانعكاسها صراعاً لبنانياً طاحناً وخطيراً في بعض الأحيان.




وعليه فإن استغراق تأقلم الفرقاء هذا الوقت بعد القمة مع الدينامية الجديدة التي أطلقتها على الصعيد العربي، (أسبوع مضى على القمة) يبدو طبيعياً لأن الكثير من هؤلاء الفرقاء يحتاج الى وقت من أجل الانتقال من لغة التصادم الى لغة التسوية. وكان يمكن للأمر أن يستغرق وقتاً أكثر لو لم تشهد الأسابيع القليلة الماضية دينامية حوار نقلت التأزم الذي توَّجه اعتذار الرئيس المكلف سعد الحريري في 10 أيلول (سبتمبر) الماضي، الى مناخ من التقارب والانفتاح بين المتخاصمين، بمبادرة من الحريري نفسه الذي أوجد سابقة بعد تكليفه الثاني في 16 أيلول الماضي بإجراء استشارات معمقة مع الكتل النيابية، كأنه بذلك كان يمهّد لاستثمار التهدئة واستعادة أجواء الثقة والتواصل، عند عقد القمة على رغم أنها لم تكن مقررة عند بدئه الاستشارات. فالحريري كان يراهن على إحياء التفاهمات السعودية – السورية التي كانت حصلت في حزيران – تموز (يوليو) الماضيين وإعطاء دفع جديد لإنجاز الحكومة بعد التأزم وتعطيل التأليف. وإذا كان الأسلوب الذي اعتمده هدف الى مواكبة إحياء هذه التفاهمات، فإن القمة التي كرّستها، ستؤدي الى تأليف الحكومة قريباً، لأن أياً من الفرقاء اللبنانيين غير قادر على التشبث بمطالبه متجاهلاً الورشة التي أطلقتها القمة على صعيد العلاقات العربية، بالتزامن مع تطورات متسارعة في المنطقة تتعلق بالتفاوض على الملف النووي الإيراني وبتهيؤ العرب للتعاطي مع أوضاع العراق في وقت تحضر الولايات المتحدة للانسحاب منه، وبمواجهة تداعيات تعثر الدور الأميركي في عملية السلام أمام التعنت الإسرائيلي وتصاعد إجراءات تهويد القدس والمسجد الأقصى…

لكن التأقلم اللبناني مع مقتضيات الانتقال بالعلاقات العربية – العربية الى مرحلة جديدة، توازيه الحاجة الى تأقلم طريقة التعاطي السوري مع وضع لبناني جديد أيضاً. ومقابل التمرين اللبناني الداخلي على صوغ التسويات الداخلية فإن أمام سورية تمريناً على صوغ علاقات مختلفة مع لبنان قياساً الى مرحلة الإدارة المباشرة لأوضاعه قبل انسحابها منه، والتي اتسمت بالإملاء والضغط والقهر، والى مرحلة تعطيل مؤسساته باعتباره ساحة صراع، بالتحالف مع إيران، بعد عام 2005.

لقد أتاحت القمة السعودية – السورية لقوى سياسية عديدة الاستنتاج أنها كانت إشارة لتجديد الدور والنفوذ السوريين في لبنان وتأثيرهما في القرار السياسي اللبناني، واعتبار ذلك واحداً من مكاسب سورية نتيجة لزيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز دمشق. ولذلك أجرى الرئيس الأسد اتصاله الهاتفي غداة القمة بالرئيس ميشال سليمان لإبلاغه بالاتفاق على تسريع تشكيل الحكومة.

لكن القمة تتيح أيضاً الاستنتاج أن عودة هذا النفوذ تسمح بإدارة مشتركة سورية – سعودية للقرار السياسي اللبناني، بدلاً من الإدارة السورية المنفردة التي كانت قائمة قبل عام 2005 للحكم في لبنان. وهي في هذه الحال إدارة بديلة للإدارة المشتركة السورية – الإيرانية، في زمن التأزيم والتعطيل واعتبار لبنان ساحة. وللانتقال من إدارة الى أخرى متطلباته…

كما أن القمة تتيح فهم انعكاس العلاقات العربية الجديدة، مقدمة لصيغة جديدة للدور السوري في لبنان، يعتمد في نفوذه على قاعدة مختلفة من العلاقات، بعد أن يتم تطبيع العلاقة بين رئيس الحكومة العتيدة سعد الحريري وبين دمشق، وبين الأخيرة ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فتعيد دمشق الارتكاز الى هذين الركنين في ممارسة تأثيرها، كما كانت الحال أيام الرئيس الراحل رفيق الحريري. لكن الفارق بين مرحلة الحريري الأب ومرحلة الحريري الابن يجعل العودة الى الماضي صعبة أيضاً، إضافة الى اختلاف الظروف اللبنانية والإقليمية.