جنبلاط يثبت انعطافته .. والسيد يحفر في ذاكرة تيمور – نبيل هيثم – السفير

من السذاجة المجازفة بالاعتقاد أن لقاء السيد حسن نصر الله والنائب وليد جنبلاط، هو محطة روتينية عابرة، او هو مجرد لقاء عادي بين قائدين سياسيين بهدف الجلوس للصورة فقط، والتداول في امور عادية وفي تفاصيل سياسية عامة وخاصة. فاللقاء بالحد الأدنى «مهم جداً»، لما يمثله الرجلان اولاً، من رمزية وحضور وامتداد على المستويين السياسي والوطني. ولما لهما ثانياً، من قدرة تحكـّم وتأثير على مساحة المشهد السياسي الداخلي، ولما لهذا اللقاء ثالثاً، من «أسباب موضوعية» قد تجعله مرتكزاً لما سيليه، او تأسيسياً له متممات لاحقة في الميدان الشيعي والميدان الدرزي وعلى المسرح السياسي بشكل عام.
وإذا كانت أهمية اللقاء الأول بين السيد وجنبلاط في حزيران الفائت قد تبدت بشكل مباشر في كونه كسر الحواجز السياسية والمعنوية المانعة للقائهما، وفي كونه طوى عملياً مرحلة حساسة بينهما قامت على صدام سياسي لسنوات، وفككته ما اصطلح على تسميتها «انعطافة» جنبلاط، وعودته الى حيث كان قبل زلزال 2005.
وإذا كانت تلك الأهمية قد تبدت أيضاً، وإنما بشكل غير مباشر، بما تلا اللقاء الاول من تطورات سياسية دراماتيكية احدثها الزلزال الجنبلاطي وانسحاب وليد جنبلاط من «14 آذار»، فإن اللقاء الثاني بينهما قبل يومين، تبدو أهميته أضعاف الأول لما ينطوي عليه من مفردات وإشارات ودلالات في الشكل والمضمون والتوقيت.

من حيث الشكل، الذي ليس في الامكان فصله عن المضمون، بدا جلياً أن اللقاء الثاني بين السيد وجنبلاط قام في جانب أساسي على بعد سياسي ـ أمني، تجلى بحضور النائب اكرم شهيب والحاج وفيق صفا.
يعكس هذا الحضور، إشارة بالغة الوضوح الى رغبة جدية في استكمال المسار التصالحي الشامل بكل تفاصيله، بالاستناد الى خلاصة تقييم الوقائع الميدانية والخطوات المشتركة التي تمت ترجمتها بالتدريج بعيد اللقاء الأول، بما يوصل حتماً في الآتي من الأيام الى جهد مشترك وفاعل على الارض، لترسيخ مناخ التقارب الحقيقي والجدي بين «حزب الله» والحزب التقدمي الاشتراكي، بما يؤدي الى تسريع طي ملف المصالحات نهائياً، والى تصليب مسار التطبيع والتنسيق بين الحزبين ومن يمثلان سياسياً وشعبياً، وصولاً الى مسح آثار «11 أيار»، بكل تداعياتها.
أما من حيث المضمون السياسي، فإن اهمية لقاء السيد وجنبلاط تبرز في جانبين:




الأول: تزامنه مع لحظة لبنانية ـ إقليمية تكاد تكون مصيرية، وبالتالي يشكل اللقاء، كما يقول بعض العارفين، مناسبة مهمة تؤكد جذرية توجهات جنبلاط، وتظهـّر بوضوح أن الخطوات الانعطافية التي أقدم عليها، وتحديداً في فترة ما بعد الانتخابات، ليس لها أي بعد تكتيكي داخلي او أي بعد انتفاعي محلي، بل هي خطوات اتخذها عن سابق تصوّر وتصميم، تصب كلها في انعطافة استراتيجية، نابعة اولاً من انتمائه النهائي الى مدرسة الواقع، ومن قراءة تفصيلية للمستقبل «بكل معانيه»، ومن استشعاره الخطر الإسرائيلي، والخطر الآخر الذي تجلى مؤخراً بشكل صارخ في «العزوف الأوبامي» عن التأثير الفاعل في أية معادلة سلام في المنطقة، وفي محاولة إبعاده عن أي حراك في هذا الاتجاه، والذي تبدى بمنحه جائزة نوبل للسلام… لكي لا يعمل للسلام!

الثاني: حصول اللقاء بعد ساعات من قمة عبد الله ـ الأسد.
ثمة من يقول في هذا المجال، إن بعض اللواقط السياسية رصدت إيجابيات وإشارات حول نتائج لبنانية مشجعة من قمة دمشق، فسارع الى توظيفها فوراً في الداخل، من خلال الوقوف على منصة لقاء السيد وجنبلاط والتوجه الى «الحلفاء القدامى»، برسالة جديدة غير مباشرة متممة لرسالة التحذير من التشويش الأميركي قبل أيام، تدعو، الى تلقف الحدث السوري دون إبطاء أو تردد والمسارعة الى الالتحاق بركب حكومة الوحدة الوطنية التي أكدت القمة عليها وحدها وألغت كل الصيغ التهويلية البديلة.
يقول العارفون، قد يعني تأكيد اللقاء على جذرية خطوات جنبلاط الانعطافية، تأكيداً متجدداً على الثبات في الموقع الذي اختاره في الموقع العروبي المقاوم، وعلى الخروج النهائي من 14 آذار، ولا عودة اليها، إلا أن ذلك لا يعني خروجاً ابداً من سعد الحريري، ولا تجاوزاً لموقعه الفاعل في المعادلة الداخلية. ومن هنا يبقي اليد ممدودة في اتجاه انتشال الحكومة من مطبات التعطيل.

وبحسب هؤلاء، فإن اللقاء، ومن موقع المدرك لحجم الرئيس المكلف، يلقي الكرة بشكل مباشر في اتجاهه ويضعه أمام مسؤولية المبادرة الى التقاط اللحظة وخصوصاً بعدما ضاقت الخيارات، والانتقال الى وضع حكومته المعطلة على سكة التوليد الجدي. فثمة فرصة مؤاتية محلياً وإقليمياً، أكدتها قمة دمشق، وبات من الواجب استغلالها.
ما ينبغي ملاحظته في هذا السياق، أن لقاء السيد وجنبلاط بعد قمة دمشق، يعكس بوضوح شديد اتساع القاعدة النيابية التي تقوم عليها حكومة الوحدة بدءًا من نواب المعارضة الـ57 إضافة الى نواب اللقاء الديموقراطي الـ11 ، أي اكثرية 68 نائباً ، وهي اكثرية من شأنها ان تخلط الاوراق او تغيّر جذرياً او تقلب كل الموازين الداخلية فيما لو اجتمعت ووضعت أمام لحظة الاختيار… ولكن من المعلوم ان لغة الأكثريات والأقليات لا تصلح في التركيبة اللبنانية.

وأما الإشارة البالغة الدلالة التي أطلقها لقاء السيد وجنبلاط، فتبدت في رمزية حضور تيمور وليد جنبلاط. والمعلوم هنا أن الوقائع الداخلية سجلت في الآونة الأخيرة إطلالات متعددة لتيمور، لكن إطلالته الأخيرة في هذا اللقاء تنطوي على «معنى حقيقي» أراد جنبلاط من تيمور أن يستخلصها مباشرة من تجربة السيد حسن نصر الله والد الشهيد هادي وقائد مسيرة المقاومة الوطنية.

لكأن جنبلاط بذلك، يريد من فرصة اللقاء ان تغني العقل السياسي لابنه، فتحفر المفردات العميقة في الذاكرة التي ما زالت فتية وتتأثر بالحميميات… والسيد حسن نصر الله يجيد تلك اللغة بطلاقة