تطوير نظام النقد الدولي يتصيّد الصين – مروان اسكندر – النهار

مظاهر الارتياح الى تجاوز العالم اسوأ مراحل الازمة المالية والاقتصادية العالمية اخذت تتزايد، ولو مع مقدار من الخجل أو التحوط.
وفي اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي انعقدت في تركيا بين 3 و 7 ايلول، تحدث رئيس صندوق النقد الدولي، دومينيك ستروس – كان، وهو كان وزيراً للمال في حكومة فرنسية اشتراكية، وكأن الازمة المالية والاقتصادية العالمية شارفت  النهاية، وطالب بتعزيز موارد صندوق النقد الدولي.  وقد اتخذ قرار كهذا أوائل السنة في قمة لندن الاقتصادية لكنه لم ينفذ إلا جزئياً.

واعتبر ستروس – كان ان اعطاء الدول النامية حقوق تصويت اضافية في صندوق النقد الدولي موازية لخمسة في المئة يشكل تحسناً كبيراً لأن التحسن يرتبط بالقدرة على ممارسة حق الفيتو على القرارات الرئيسية، وهذه القدرة لا تزال متوافرة للولايات المتحدة وبريطانيا معاً، وقلما تفاوتت مواقف البلدين في مجال السياسات المالية والنقدية العالمية.
اما رئيس البنك الدولي، روبرت زوليك، الذي كان سابقاً رئيس الوفد الاميركي الى محادثات توسيع منظمة التجارة العالمية وتطويرها، فكان أكثر تواضعاً في عرض اقتناعه بقرب انتهاء الازمة.  واعتبر ان قرار قمة العشرين اعطاء الدول النامية دور شركة مهمة في صياغة السياسات التي تؤمن التغلب على أسباب الازمة العالمية وتحول دون تكرارها في المستقبل هو امر حيوي، وقد طالب أيضا بتعزيز موارد البنك الدولي وقدراته.




لا شك في ان موقف زوليك يعبّر الى حد ما عن الموقف الاميركي.  فالولايات المتحدة، بسبب سياساتها المتفلتة من القيود على التسليفات المصرفية وتحريرها لمختلف انواع التملك العقاري، والاتجار بالسلع والعملات والسندات والالتزامات المبهمة، ساهمت في تعميق ازمة التسليف المصرفي التي بدأت صيف 2007. وتالياً بعد تفجر قضية "بنك ليمان براذرز" قبل سنة، أصيب المستثمرون عالمياً، افراداً ومؤسسات، بخسائر تجاوزت على نطاق عالمي 4000 مليار دولار.
الاميركيون يريدون ان ينسى العالم مسؤوليتهم عن الازمة المالية والاقتصادية العالمية، ولذلك يظهرون مرونة في التعامل مع بعض المطالب التي تطرحها دول صناعية ودول نامية في الوقت ذاته، وقد باتوا على استعداد لمشاركة الآخرين، وخصوصا البلدان النامية كالهند والبرازيل والصين وكوريا الجنوبية والدول العربية النفطية، في مسؤولية التصدي للمشاكل المالية الدولية.  بكلام آخر، الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا، البلدان الثلاثة الاكثر تسببا بنتائج الازمة المالية العالمية وأضرارها، رحبوا بمشاركة الدول النامية في تحمل مسؤوليات الحلول.
وحيث ان وضع الولايات المتحدة على الصعيد العالمي تأثر بمجريات الازمة المالية والاقتصادية العالمية، ونظراً الى وسع رؤية الرئيس الاميركي الجديد، تقبلت الولايات المتحدة انتقادات رؤساء دول صناعية بارزة كفرنسا والمانيا حول شروط تعويضات ومنافع ورواتب كبار مديري المصارف التجارية ومصارف الاعمال ومنافعهم ورواتبهم.  علما بانه قبل انعقاد قمة الدول العشرين كان الاميركيون مترددين في فرض قيود قاسية على مديري المصارف والشركات المالية، وحتى الشركات الصناعية الكبرى، وأبدت من ثم استعدادها لتبني توصيات في هذا الصدد، لكن تفاصيل هذه التوصيات لم تتضح حتى تاريخه كما ان طريقة التنفيذ ومسؤوليات الاشراف عليها لا تزال معلقة في الهواء.

في ما عدا التوصيات العامة باعطاء الدول النامية الاساسية دوراً في رعاية النظام المالي العالمي، وضبط بعض ممارسات الاتجار في الاسواق المستقبلية، ومنح الدول النامية زيادة بسيطة في حصة التصويت في صندوق النقد الدولي وتكرار طلب تحقيق الزيادة في موارد الصندوق، لا تبدو ثمة ملامح حقيقية لتنفيذ اصلاحات جذرية، كما لم تظهر مؤشرات مقنعة لتجاوز العالم اسوأ مراحل الازمة.
ان مراقبة شاشة التطورات المالية والاقتصادية العالمية توحي بان الاجراءات التصحيحية كانت، على صعيد المساندات النقدية، كبيرة الى حد مخيف.  كما ان قرارات مساندة المصارف في الولايات المتحدة وبريطانيا وسويسرا والمانيا وهولندا وبلجيكا وفرت لوزارات المال في هذه البلدان سلطة أوسع على المصارف المركزية في كل منها.  ان استعادة المصارف المركزية استقلاليتها أمر بالغ الاهمية، ومن دون هذه الاستقلالية في مجال النقد يمكن ان يواجه العالم موجات تضخمية تتسبب بأزمات جديدة تعرض العالم لرياح التغيير دونما تحديد لوجهة شواطئ الامان.

وافسحت اجتماعات قمة العشرين في المجال لتحميل الدول النامية مسؤوليات كبيرة من حيث اصلاح اوضاع النظام المالي والاقتصادي العالمي، واخص هذه الدول الصين والهند وسنغافورة والبرازيل وتركيا والدول العربية النفطية وايران وجنوب افريقيا.  ومع ان هذه الدول كانت بمنأى عن أسباب تفجر الازمة المالية والاقتصادية العالمية، برزت مخاطر تحميلها مسؤولية المساهمة في التصحيح لمجرد انعقاد الاجتماعات السنوية المشتركة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
لقد تركزت الانظار في الاجتماعات الاخيرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بمبادرات من الولايات المتحدة وفرنسا والسوق الاوروبية على الاصلاحات المطلوبة في سعر العملة الصينية.  فالأميركيون يطالبون، كما بعض الاوروبيين، برفع سعر العملة الصينية من  أجل خفض فائض حسابات الميزان التجاري لمصلحة الصين، ومن ثم تكريس فوائض اضافية لدى الصين التي تملك حالياً 32 في المئة من الاحتياط النقدي العالمي، أي ما يزيد على 2،3 تريليوني دولار.  والتوصيات الصادرة عن صندوق النقد الدولي اشارت الى مخاطر تضخيم احتياطات الدول ذات الفوائض الكبيرة، أي الصين واليابان بصورة خاصة، كما دول النفط.

والمؤسسات التقليدية التي تحكمت بمسار النظام النقدي العالمي، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الاميركية، تسعى تدريجاً الى تخفيف المسؤولية عنها في صدد الازمة المالية العالمية.  ومن المعلوم ان تحكم المؤسستين الدوليتين، اضافة الى وزارة الخزانة الاميركية، كان يسمى "تفاهم واشنطن "Washington Consensus، وقد اعتبر معلقون كثر ان هذا التفاهم سقط، وممن نعوه هنري كيسينجر.  لكن المؤشرات عادت لتدل على ان التفاهم لم يسقط، ومحاولات نقل المسؤولية الى أطراف آخرين طاولت الصين، ذات الاحتياط الاكبر، ومن بعدها ستطاول اليابان التي تتمتع بثاني أكبر احتياط، فأبو ظبي، وسنغافورة، والسعودية. كان الله في عون هذه الدول!