بين قمّتي جدّة ودمشق: لا استقواء للبناني على آخر – نقولا ناصيف – الأخبار

لا بد من مرور بضعة أيام قبل جلاء الجوانب غير المعلنة لقمّة دمشق بين الرئيس بشار الأسد والملك عبد الله، وخصوصاً حيال الموقف من لبنان وتأليف حكومة الوحدة الوطنية، رغم انطباع فوري بأن تقارب البلدين يؤول إلى تقارب لبناني ـــــ لبناني حتميّ نظراً إلى فاعلية تأثيرهما المباشر على طرفي النزاع. بيد أن قمّة دمشق جاءت ترجمة لبعض ما تداوله الزعيمان السوري والسعودي في قمّة جدّة في 23 أيلول، توطئة لتوسّعهما في مناقشة مخاوفهما حيال التطورات الإقليمية.
ومع أن لبنان لم يُدرَج بنداً رئيسياً معلناً في جدول أعمالهما، وفي تطبيع علاقاتهما الثنائية، فقد عبّرا في قمّتي جدّة ودمشق عن أهمية تعويلهما على استقرار هذا البلد، وترك أبنائه يقرّرون مصيرهم بأنفسهم، بما في ذلك تأليفهم حكومة وحدة وطنية، وهو ما ثبّتته قمّة دمشق.
تعكس هذا الواقع معطيات مصدرها دمشق، تورد جوانب من الموقف السوري من لبنان في تقاطع تطور العلاقات السورية ـــــ السعودية:

1ـــــ ارتياح العاصمة السورية إلى مسار علاقتها بالرياض منذ قمّة جدّة، والاتصالات الجانبية التي تلتها، فأفضت إلى اتفاق الملك والرئيس على عدم الاكتفاء بتفادي تدخّلهما في الأزمة الحكومية اللبنانية وترك اللبنانيين يتفاهمون على تأليف حكومتهم فحسب، بل أيضاً الحؤول دون استقواء أيٍّ من طرفي النزاع اللبناني بأيٍّ من دمشق والرياض لممارسة ضغوط على الطرف الآخر. لا ينام أحد في قوى 8 و14 آذار على وعد من مرجعيتيهما بأن الأخرى ستضغط على حلفائها لتقديم تنازل في الموضوع الحكومي. ولا ينام أحدهما على ورقة مستورة تجعل استغلاله الوقت عاملاً مجدياً لانتزاع مكسب سياسي جديد على حساب الآخر.
هكذا سلّمت دمشق والرياض بأن كلّاً منهما لن تضغط على حلفائها اللبنانيين الذين يتعيّن عليهم، عندئذ، التفاهم على تأليف حكومة وحدة وطنية، أو لا حكومة أبداً.




2ــ لا تتحفّظ دمشق عن ترؤس رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري حكومة الوحدة الوطنية، إلا أنها تشترط، في المقابل، تمهيداً لاستقباله رئيساً للحكومة اللبنانية على أراضيها، اتخاذه موقفاً إيجابياً من سوريا، على غرار المواقف التي سبقه إليها رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، بإبداء استعداده لزيارة سوريا لطيّ صفحة الماضي وتحديد علاقته بها بما يمحو ما رافق الأعوام الأربعة المنصرمة. وإذ لا تصرّ دمشق على اعتذار يقدمه الحريري إلى قيادتها، تأمل اتخاذه مبادرة سياسية حيالها تطوي آثار الأعوام الأخيرة، مع كل ما عدّته سوريا ولا تزال إساءة لها.

3ـــــ لم تتوقع دمشق ـــــ ولم تشأ ـــــ في الاتصالات التي سبقت قمّة الرئيس والملك احتمال مرافقة الحريري العاهل السعودي، على نحو موقف بعض غلاة تيار المستقبل الذين يجدون في هذه المرافقة مبرّراً يحدّ من إحراج الحريري حيال زيارة لم يخطر في باله يوماً منذ عام 2005 أنه قد يحتاج إلى حجّة لتبريرها.
أما الأسباب فشتى:

أولها، كي تؤكد دمشق علناً أنها لا تتدخّل في شؤون لبنانية داخلية، وأخصّها تأليف حكومة الوحدة الوطنية. لكنها لا تتردّد في إبداء مخاوفها ـــــ وهو محور محادثات دورية بين رجال استخباراتها ورجال الاستخبارات السعودية ـــــ حيال نشاطات أصولية متطرفة تعتقد أنها تستهدفها ولبنان على السواء، ولا سيما من تنظيم القاعدة.

ثانيها، أنها لا تريد الحريري على أراضيها تحت عباءة الملك أو متسلّحاً به، بل بصفته رئيساً للحكومة اللبنانية تتحاور وإياه في علاقات البلدين بعد إزالة رواسب الماضي القريب. كانت مرافقة الرئيس المكلف للملك ستضفي على الدور السعودي أكثر ممّا ينبغي أن يحتمل من جهة، ومحاولة لاستصدار الحكومة اللبنانية من تحت عباءة العاهل من جهة أخرى، وتكريس مرجعية السعودية للملف اللبناني، وكذلك رعايتها مصالحة سورية ـــــ لبنانية تأمل أن تليها مصالحة مصرية ـــــ سورية من جهة ثالثة. لذا تودّ سوريا استقبال الحريري، لكن بعيداً من أي مظلة أخرى، وغير مستقوٍ بدولة عربية أخرى.

ثالثها، أن دمشق تنظر إلى علاقتها بلبنان على نحو مستقل عن علاقتها بالسعودية، كذلك الأمر بالنسبة إلى علاقتها بهذه، وبمصر، كما بأي دولة عربية أخرى. وتستمد القيادة السورية موقفها هذا من قاعدة ثابتة في سياستها الخارجية، هي أنها تنادي بالاتفاق على منظومة عربية متكاملة لوضع استراتيجيا مشتركة في مواجهة التحدّيات والتهديدات، إلا أنها تنظّم علاقاتها الثنائية بكل دولة عربية وفق خصائص وميزات وتقاليد تجمعها بهذه دون تلك. يحملها ذلك على تقويم علاقتها بلبنان على نحو مغاير عن تقويم علاقتها بالسعودية أو بسواها.

4ـــــ لا يحجب تأييد دمشق تأليف حكومة وحدة وطنية عدم استعجالها هذا التأليف خارج نطاق ما يرضي المعارضة إلى موقعها في مجلس الوزراء. واقع الأمر أن الاختلاف الظاهر بينها وبين الرياض يكمن في أن الأخيرة تريد في آن واحد إنجاح تجربة الحريري في الحكم وترجمة نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة التي أفضت إلى فوز قوى 14 آذار بها. إلا أن القمّة، إذ أحالت تأليف الحكومة على اللبنانيين بأنفسهم، وضعت فوق رؤوسهم جميعاً مرة أخرى سقف مواصفاتها: حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5.