التحولات الجارية.. ومشكلات التداعيات والآثار – رضوان السيد – الشرق الاوسط

انشغلت الأوساط السياسية في الشرق الأوسط خلال أُسبوع بالتطورات الجارية والمستجدة. هناك الآن الملف الأكثر حضورا والمتعلق بالنووي الإيراني، وبدء التفاوُض عليه، وعلى العلاقات الإيرانية ـ الغربية. وهناك الملف المتأرجح والمتعلق بالمسعى الأميركي لدفع الإسرائيليين والفلسطينيين للعودة للتفاوض، والتعويق الإسرائيلي الذي اتخذ صيغتين: صيغة رهن التنازل والتفاوض بإزالة الخطر الإيراني على إسرائيل؛ وصيغة زيادة الضغوط على الداخل الفلسطيني بالاستيطان وتصاعُده، وبفرض التهويد على القدس والأقصى. وهناك أخيرا وليس آخرا الحديث عن زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز لسورية، والآثار التي ستتركها على العلاقات العربية ـ العربية، والعربية ـ الإقليمية. أما في لبنان فهناك الحديث المستمر عن تطورات تشكيل الحكومة العتيدة ـ والحديث المستجد عن إمكان ظهور «القاعدة» في لبنان أو لجُوئها إليه.

والواقع أن الحديث عن «القاعدة» في السياق اللبناني؛ له علاقة بكل الملفات السالفة الذكر. فالمعروف أن الملفات النافرة بالمنطقة، والتي تستدعي معالجة أو مواجهة، هي ثلاثة: ملف إيران مع الغرب، وملف الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وإسرائيل والعرب، وملف «القاعدة». وبينما يتجه الملفان الأولان إلى التفاوض وإن بتعسُّر؛ فإن الملف الثالث، أي ملف «القاعدة»؛ إنما يتجهُ لتأجج أخير؛ وهذا معنى الحديث عنها في السياق اللبناني. أما زيارة الملك السعودي إلى سورية فلها علاقة بهذه الملفات كلها. وقد وجه الأنظار إلى ذلك كله الوفد المصري المكون من وزير الخارجية ومدير المخابرات، والذي زار السعودية واليمن والأردن خلال الأسبوع الجاري.




في المجال الأول، مجال العلاقات الإيرانية ـ الغربية، تتجه الأُمور للتهدئة الآن. وصحيح أن «الخطاب» الإيراني لا يزال عالي الوتيرة. لكن الغربيين والروس يقولون إن إيران وافقت على حل جزئي لمسألة الخصيب، بالقبول أن يكون ذلك في دولة ثالثة (هي روسيا). وكان الروس قد عرضوا هذا الأمر قبل ثلاث سنوات فرفضته طهران، ثم ها هي تتعمد قبوله الآن، ويبقى أن يعرض الروس هذا الأسبوع صيغة تنفيذية. أما الخطوة الأُخرى فهي تكثيف التفتيش الدولي على المنشآت الإيرانية القديمة والمستجدة. وقد أكد الإيرانيون أيضا في زيارة محمد البرادعي الأخيرة على أمرين: عدم نيتهم إنتاج قنبلة نووية، وعدوانية الغرب وعدم إنصافه. ولا تنتهي المشكلات بين الطرفين طبعا ولو نُفذ البندان السالفا الذكر. فهناك الخلافات الاستراتيجية بشأن الانتشار الإيراني في «الشرق الأوسط الأَوسع»، وهناك الملفات الخاصة بين الولايات المتحدة وإيران والمتراكمة منذ حدوث الثورة الإسلامية عام 1979.

ولو كانت السياسات تُرسم بحسب الظواهر والتحركات؛ لقلنا إن الإيجابيات المبتدئة في علاقات إيران بالغرب، ينبغي أن تسحب نفسها على ملف التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين والسوريين؛ إذ ما دام «الخطر الإيراني» بحسب التعبير الإسرائيلي، يتراجع؛ فالمنطقي أن يلين الجانب الإسرائيلي في شأن المفاوضات. لكن الذي يحصل أن التوتير الإسرائيلي يتصاعد، ويتم التركيز على القدس والمسجد الأقصى، كأنما لفرض أمر واقع، وإخراجهما من دائرة التفاوض هذا إذا بدأ!

ولدينا في لبنان موضوعان: تشكيل الحكومة، التي يجري التفاوض عليها في المجالين المحلي والإقليمي منذ حوالي الأربعة أشهر، والشائعات بشأن اندفاع عناصر من «القاعدة» إلى الداخل اللبناني.

ولهذين الأمرين (الحكومة اللبنانية، و«القاعدة»)، كما للوضع الإيراني ـ الغربي، وللوضع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والعربي ـ الإسرائيلي؛ علائقُ وثيقةٌ بالزيارة التي يقوم بها خادم الحرمين الشريفين إلى سورية. فسورية تقع في قلب تقاطع عربي بين السعودية والأردن والعراق ولبنان، وفي قلب تقاطع شرق أوسطي بين إيران وتركيا وإسرائيل. وكانت لديها «تكليفات» من الولايات المتحدة والغرب أثناء الحرب الباردة وبعدها؛ انحمى بها استقرارها ونظام الحكم فيها. وقد اضطرب الوضع من حولها في عهد الرئيس بوش، بسبب سحب التكليف من جهة، وإفادتها هي وإيران وإسرائيل وتركيا من الاضطراب الذي نشره الأميركيون بالمنطقة. وما انقطع «الحوار» المباشر أو بالواسطة بين سورية والولايات المتحدة والمحيط الأقرب ـ لكنه بعد احتلال العراق عام 2003 صار أقرب إلى حوار الطرشان. إذ كان يجري على رجع صدى الضربات المتبادلة من خلال لبنان أو من خلال العراق أو من خلال فلسطين. وفي السنوات الست الماضية صارت سورية مركزا للمقاومات أو لدعمها في البلدان الثلاثة. وإذا كان حزب الله الموالي لإيران هو رمز المقاومة في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي الرمز والعنوان في فلسطين؛ فإن «القاعدة» والبعثيين السابقين صاروا رمزا لمقاومة الأميركيين والحكم الجديد في العراق. وهذان الفريقان تجمعا في سورية، منذ عام 2004، وما يزال الأميركيون والحاكمون الجدد بالعراق يشكون من أنهم لا يزالون يفجّرون بالعراق آتين من سورية أو مدعومين منها. ومن الواضح أن سورية أخيرا ما عادت تستطيع لعب هذا الدور المزدوج بين أميركا والسعودية وإيران و«القاعدة»، ولا ندري مَن ومَن. ولذا فالمفهوم أن المتطرفين الذين استُخدموا بالعراق، واستُخدموا عام 2007 (= فتح الإسلام) بلبنان، لا بد أن يخرجوا من سورية الآن ظاهرين أو متخفين. إذ إن بعض هؤلاء سعوديون أو سبق أن استُخدموا ضد السعودية، كما استُخدموا ضد غيرها. وهذا معنى الشائعات التي سرت خلال الأيام الماضية عن وصول مئات منهم إلى لبنان. فهم ما عادوا يستطيعون البقاء بسورية. وما عادوا يستطيعون الذهاب إلى العراق؛ بينما لا تزال الحدود «حرة» فقط بين سورية ولبنان. وإذا كان ذلك يشكل تحديا للدولة والأمن بلبنان؛ فإن اللبنانيين يظنون أنهم يستفيدون من تحسن العلاقات بين السعودية وسورية في مسألة تشكيل الحكومة، وفي المسائل الأُخرى ومن بينها التسرب المسلح عبر الحدود، وترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا، لكي يمكن مطالبة إسرائيل عبر الأُمم المتحدة بالانسحاب منها. ثم إن سورية تملك على الحدود مع لبنان معسكرات لبعض الشراذم الفلسطينية خارج المخيمات، وقد استخدمتها للتوتير في ظروف معينة، وما عادت مفيدة لها الآن إذا كانت تريد بالفعل علاقات جيدة مع محيطها العربي، وعلاقات ثقة وتعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وإذا كانت سورية تستفيد وتتعرض لضغوط في الوقت نفسه بسبب علاقاتها مع إيران وإشكالياتها؛ فإن الأولوية بالنسبة للسعودية وللعرب هي انتظام العلاقات العربية ـ العربية من أجل القضية الفلسطينية من جهة، ولمنع التدخلات في الشأن العربي من جهة ثانية. ولا شك أن سورية كان لها بعض الإسهام في هذا التحسُّن البطيء في العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية. ويرغب المصريون بالوصول إلى حلول حقيقية بين الفلسطينيين، بسبب التهديدات الاستراتيجية لجوارهم في غزة. بيد أن الأمر الأهم وذا الصلة هو عملية السلام. فالأرض الفلسطينية لا تزال محتلة، وكذلك الأرض السورية. والاستيطان يفترس كل شيء، وتعود المخاوف من جانب بعض اللبنانيين بشأن التوطين. وفي حين يشعر السعوديون والأردنيون والمصريون واللبنانيون بالأعباء وبالمبادرة العربية أو بدونها؛ وضع السوريون وحلفاؤهم أنفسهم في السنوات الماضية في موقع المقاومين، وسووا في الاتهام بين إسرائيل وأميركا و«الاعتدال العربي»! والمطلوب الآن، وبعد التعثر في المبادرة الأوبامية بسبب التصلّب الإسرائيلي، أن ينظر العرب في الأمر معا وليس من مواقع التعيير والابتزاز. فقد كان المأخذ الرئيسي لسورية على مصر والأردن أنهم قالوا بالتفاوض المنفرد، وها هم قد ذهبوا بواسطة تركيا، إلى تفاوض شبيه بأوسلو أو بوادي عربة إن لم يكن شبيها بكامب ديفيد! والمقصود هنا ليس التعيير أو التخطئة؛ بل الإفادة من دروس الماضي، والاتجاه للمصالحة العربية وللمراجعة العربية، وللاستراتيجية العربية التي تحقق غرضين: منع التدخلات في الدول العربية، والاتجاه معا لمواجهة تحديات التصلب الإسرائيلي.

وهكذا؛ فإن الذي يبقى ظاهرا على السطح؛ أن الاضطراب الحاصل الآن هو من تداعيات وآثار المرحلة البوشية التي هجمت على الاستقرار العربي، وغيرت وجه المنطقة باحتلال العراق. وقد أفاد من الهجمة الأميركية بالدرجة الأُولى كل من إسرائيل وإيران، إسرائيل بشن الحروب، وإيران بالامتداد في شتى الاتجاهات بعلل مختلفة. وتحدث الآن عمليات لملمة واستيعابٍ للمرحلة السابقة. فتنكمش القدرة الإيرانية والإسرائيلية على التدخل في المشرق العربي. وتحاول سورية التي شاركت في الاضطراب إصلاح العلاقة بالسعودية وبمصر. ولأن الجميع يتجه لقطع رأس «القاعدة»، وليس للتفاوض معها؛ فإنها نفرت واستنفرت في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن، وقد يحدث أن تنفر وتستنفر أيضا في لبنان آتية من سورية. وهذا الأمر إن حدث فإنه يحتاج لتعاون بين السلطتين في سورية ولبنان.

وبالإضافة إلى تجاوز السلبيات نتيجة التشرذم والانقسام؛ فإن المبادرة السعودية للمصالحة، والتي ينتظر أن تضم إلى سورية مصر والأردن والفلسطينيين؛ سوف تسهم في تحسين الأجواء العربية بعامة، واستعادة القوام ليس في مواجهة إسرائيل وحسب؛ بل ومع الولايات المتحدة وإيران. لا بد من إيقاف الاضطراب العربي، ولا بد من استعادة الملفات العربية، على قاعدة مواجهة الأمور بالتوحد والشمولية.