عن حادث بلا تستّر! – نبيل بومنصف – النهار

بعيدا من "التنظير" الفوقي الذي غالبا ما يرافق كل حدث أمني غامض وسط ظروف سياسية ملتبسة، يسجل للقوى المسيحية في معسكريها تحليها بحكمة كافية في التعامل مع حادث عين الرمانة ولو من زوايا وحسابات مختلفة وحتى متناقضة، فالمهم النتيجة، والمهم عدم السقوط في خطأ لا يمكن تدارك مضاعفاته، وهذا ما حصل.
ومع ذلك من غير الجائز تكرارا تجاهل "وقائع الارض"، وهنا يجب أن تكون "اللغة المحكية" صريحة لا تداهن ولا تتستر على علل، فكيف بما يفوقها خطورة؟
بدا المشهد الشعبي – السياسي في المنطقة "الحاملة" لذاكرة الحرب غداة هذا الحادث موزعا على أربع عينات "عشوائية" بلغة خبراء الاستطلاعات.

العينة الاولى تتهم البيئة الشيعية وقوتيها الوازنتين "حزب الله" و"أمل" بنهج استقوائي على البيئة المسيحية الجارة لأهداف مباشرة تتصل بواقع "الصعود" الشيعي في الشارع والدولة والسلطة والمعارضة استكمالا لمشروع مجهول – معلوم. وتعطف هذا الحادث على ما سبقه من أمثاله كحادث مار مخايل وحادث اسقاط الطوافة في سجد وحتى أحداث 7 أيار.




العينة الثانية تتهم العونيين، حلفاء "حزب الله" بالتغطية المباشرة التلقائية على حلفائهم والمسارعة الى ايجاد المبررات للحادث حتى باتهام ذوي القربى من المسيحيين باستفزاز شركائهم و"جيرانهم" والبحث عن ذرائع غير واقعية وتطوعية "للهجوم" النظامي.
العينة الثالثة تتهم "القواتيين" والكتائبيين بممارسات "نظامية" جديدة – قديمة من شانها استفزاز الشارع المقابل واثارة تحفزه للتحدي.
والعينة الرابعة تتهم شللا ميليشيوية غوغائية يمكن استخدامها والاندساس في صفوفها لتوظيف حادث ما حتى لو لم يكن مخططا له، كما يمكن ان "تعمل على حسابها".

في مجمل الانطباعات التي يثيرها هذا المشهد بعيناته الاربع وبصرف النظر عن هامش الصحة او المبالغة او المجافاة التامة للوقائع، ثمة خطورة حقيقية في ترك البيئة المسيحية تتفاعل مع مجموعة "مفاهيم ميدانية" على هذا المستوى من التناقض والغموض والتوجس والاتهامات الضمنية والسافرة، خصوصا متى كان الامر متصلا بواقع الانقسام المسيحي السياسي من جهة وواقع منطقة محورية في "تطوير" السلم الاهلي والاجتماعي والطوائفي. أفضل ما قيل في الدفق الكلامي الذي أثاره الحادث الاخير هو ان الشياح عين الرمانة هي أرض الامام موسى الصدر وليست ارض الفتنة. ولكن كلاما بهذه البلاغة الوجدانية يبقى أقرب الى نشيد غنائي عاطفي ما دام الالتباس والغموض والشك والابهام عوامل ثابتة تتراكم من حادث الى حادث وتتوارثها بيئة مهجوسة محطة إثر محطة.
معنى ذلك بمنتهى الوضوح أن الحادث الاخير يرتب مسؤولية مضاعفة ومتعاظمة على اثنين كانت أصواتهما الاقل خفوتا في لحظة الالتباس وهي غالبا ما تكون الأخطر، وهما الاجهزة الامنية والعسكرية من الجانب الميداني الرسمي والقوتان الشيعيتان من الجانب الميداني السياسي. أيا تكن ظروف الحادث يتعين التدقيق في سبب الغضب الشعبي الذي برز ناطقا فصيحا غداة حصوله حيال تصرف القوى العسكرية والامنية. هو غضب ناجم عن خوف في النهاية وخشية من انفلات زمام الامور ولو على أيدي "عصابات". والامر لا يحتمل ترف انتظار التحقيقات خصوصا ان هناك سوابق لا تشجع كثيرا على النوم على تطمينات اللغة الخشبية المتصلة بالتريث حتى "ذلك الموعد" غير المحدد.

وأيا تكن ملابسات الحادث لا يمكن القوتين صاحبتي السطوة في البيئة الشيعية التعامل مع الحادث بالاتكاء على آخرين يتطوعون لنفي الطابع السياسي عنه. لم توجه أصابع الاتهام الى أي طرف حزبي شيعي في الحادث لان لا مصلحة لأي منهما فيه بطبيعة الحال. لكن "أرض" المنطلق والعودة لهذه الشلل تحمّل هاتين القوتين المسؤولية المعنوية المباشرة عن ردع كل ظاهرة وهما قادرتان بلا شك على ذلك. لا بل باتتا ملزمتين هذا الردع ما دام ثمة انطباع لا يتزحزح بأن الدولة لا تجرؤ على تحمل مسؤولياتها في مناطق "المربعات". قد يكون الامر على كثير من المبالغة وقد يكون صحيحا. لكن في كلا الحالين ثمة ما يستوجب سلوكا آخر وخطابا مختلفا غابا كلاهما عن حادث من الخطأ الاستهانة بما كشفه في البيئة المباشرة وفي ما هو أبعد منها.