فيزياء قمة دمشق وكيمياء السياسة اللبنانية – رفيق خوري – الأنوار

البيان الصادر عن قمة دمشق هو، بطبائع الأمور، عناوين عامة تختصر بعض، لا كل، ما دار في المحادثات. فلا أحد كان يتوقع أن يقرأ في سطوره تفاصيل ما اتفق عليه الرئيس بشار الأسد والملك عبدالله بن عبد العزيز، وما هي خطتهما للعمل على تحقيق ما هو خارج العلاقات الثنائية بين سوريا والسعودية. ولا شيء يكمل القراءة بين السطور سوى انتظار اشارات في الكواليس وخطوات على الأرض. ولم يكن من المفاجآت أن يتضمن البيان مقاطع عن لبنان والعراق وفلسطين، الى جانب المحور الأساسي، وهو (مواصلة العمل للارتقاء بالعلاقات السورية – السعودية، ومواصلة الجهود لتعزيز العمل العربي المشترك وبناء تضامن عربي متين لخدمة المصالح والقضايا العربية والاسلامية) عبر (التنسيق والتشاور) بين الزعيمين العربيين لتحقيق ذلك.

ومن الطبيعي أن تكتمل المصالحة بعد المصارحة. لكن عمق المصالحة يتوقف أولاً على تطابق أو أقله تقارب وجهات النظر حيال القضايا التي كانت محل خلاف في السنوات الماضية. ويتوقف ثانياً على ايجاد حلول لتلك القضايا من ضمن التوجه العام نحو استعادة الدور العربي. والكل يعرف أن الوضع في لبنان منذ العام 2005 كان أبرز قضايا الخلاف بين البلدين. فلا هما في خلاف على تسوية الصراع العربي – الاسرائيلي بالتفاوض على قاعدة المبادرة العربية للسلام التي كانت مشروعاً للملك، الأمير يومها، عبدالله وافق عليه القادة العرب بالاجماع في قمة بيروت ثم تكرر تأكيد الموافقة في كل القمم التي تلتها. ولا هما مختلفان على الحاجة الى الدور الأميركي في التفاوض والرهان على الرئيس باراك أوباما الذي اعتبر التسوية مصلحة حيوية لأميركا ورآها مفتاحاً لحل القضايا الأولى في الشرق الأوسط والعلاقات الإقليمية والدولية.




والسؤال هو: كيف تقرأ القيادات اللبنانية، ثم كيف تساعدها القيادتان السورية والسعودية في قراءة المقطع الخاص بلبنان? وما هي الترجمة العملية لـ (التأكيد على أهمية تعزيز التوافق بين اللبنانيين والبحث عن نقاط التلاقي التي تخدم مصلحة لبنان من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية باعتبارها حجر أساس لاستقرار لبنان وتعزيز وحدته وقوته ومنعته)?
على الطريق الى الجواب يستطيع اللبنانيون قراءة معادلة وضعها المؤرخ البريطاني تيموثي غارتون آش لانتقال أي بلد من واقع سيئ الى وضع جيد. خلاصة المعادلة هي الجمع بين (فيزياء الديبلوماسية) الخارجية و(كيمياء السياسة) الداخلية. قمة دمشق قدمت لنا فيزياء الديبلوماسية، وبقي علينا العمل على كيمياء السياسة. ولا عذر لنا بعد الآن إن لم نتمكن من حل العقدة التي اسمها الحقائب والأسماء، مهما تكن الخلافات الداخلية أصلية وجدية.