أميركا: لبنان في مجلس الأمن أم حزب الله ؟ – سركيس نعوم – النهار

خلال مدة قصيرة يصبح لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن بالانتخاب وهذا امر تجزم به الدولة اللبنانية بكل مراجعها استناداً الى معلومات متوافرة لديها عن مواقف اكثرية الناخبين في الجمعية العمومية للامم المتحدة الذين اجرى معهم المسؤولون اللبنانيون الاتصالات الضرورية منذ مدة طويلة ومن هؤلاء مجموعة الدول العربية ومجموعة الدول الافريقية ومجموعة دول عدم الانحياز وعدد مهم من الدول الكبرى.
هل يعني ذلك ان حصول لبنان على المقعد غير الدائم في مجلس الامن صار مضموناً مئة في المئة؟

التجربة التي خبرتها مصر ومرشحها وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب المدير العام لـ"الاونيسكو" قبل مدة قصيرة، يجيب متابعون لموضوع لبنان ومقعد مجلس الامن، لا تشجع على الاقتناع الا بالمثل اللبناني الشائع: "لا تقول فول تيصير بالمكيول". ذلك ان الدولة المصرية بقضّها وقضيضها بذلت كل الجهود اللازمة مع الناخبين، كبارهم والصغار، وخرجت بنتيجة تفيد ان المعركة الانتخابية على المنصب المذكور ستحصل حتماً لكنها تفيد ان نسبة احتمال فوز مرشحها فيه مرتفعة جداً او على الاقل ما فيه الكفاية. لكن الخسارة التي منيت بها فاجأتها بل صدمتها وخصوصاً انها كانت نتيجة تغيير جذري في موقف دولة عظمى تُعتبر هي حليفة استراتيجية لها في الشرق الاوسط وافريقيا. والدولة هذه هي الولايات المتحدة. فهل تغيّر هذه الدولة العظمى موقفها المؤيد لاحتلال لبنان مقعد في مجلس الأمن مدة سنتين؟ الجواب الذي تملكه السلطات اللبنانية المعنية والمسؤولون الكبار يؤكد ان التأييد الاميركي ثابت. ولم يصدر عن واشنطن، اي عن الادارة الاميركية الى الآن اي موقف رسمي او غير رسمي او اي ايحاء يفيد انه تغيّر. فضلا عن ان انتخاب لبنان للعضوية غير الدائمة لمجلس الامن لا تصح مقارنته بموضوع مصر و"الاونيسكو" لان الجهات التي اقامت الدنيا على المرشح المصري فاروق حسني كانت يهودية فرنسية واميركية واسرائيلية بل شملت يهود العالم كلهم. وكانت ذروة الحملة عليه مبادرة اسرائيل الى استخدام علاقاتها ونفوذها داخل اميركا واوروبا بل في العالم كله لمنع وصول حسني الى هذه المنظمة الدولية الكبيرة عقاباً له على "مواقف لاسامية" اتخذها في السابق. وهذا موضوع ليس مطروحاً في موضوع ترشح لبنان لعضوية مجلس الامن.
لكن ذلك لا يعني على الاطلاق ان المسؤولين في واشنطن الذين يعرفون لبنان بأوضاعه الداخلية وتشعباتها الاقليمية والدولية لا يفكرون في آثار وصول لبنان الى مجلس الامن او لا يبحثون في ما بينهم حتى الآن ربما، اي قبل مدة بسيطة من موعد الانتخاب في ما اذا كان وجود لبنان في المجلس المذكور مفيداً لمصالحهم ام لا. ولعل اكثر ما يعبّر بحثهم هذا هو السؤال الذي يطرحونه على انفسهم او على اصدقائهم من غير الاميركيين وهو: الا يعني جلوس لبنان في مقعد وان غير دائم في مجلس الامن ان "حزب الله" صار عضواً في هذا المجلس وان في صورة غير مباشرة؟ كما يعبّر عنه سؤال آخر يطرحونه ايضاً على انفسهم وعلى اصدقائهم غير الاميركيين هو الآتي: الا يعني جلوس لبنان في مقعد لمجلس الأمن ان الجمهورية الاسلامية الايرانية هي عضو في هذا المجلس وان مداورة نظراً الى علاقتها العضوية بـ"حزب الله" صاحب النفوذ الاقوى في لبنان؟ طبعاً لا يكتفي هؤلاء المسؤولون في واشنطن بالسؤالين المذكورين اعلاه بل يرفقونهما استنادا الى مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة بتقويم للاوضاع في لبنان يبرر طرحهم اياهما. ويفيد هذا التقويم اولا ان "حزب الله" صار مسؤولا عن لبنان (In charge) اي ممسكاً به من دون ثلث معطل له ولحلفائه في الحكومة وحتى من دون سيطرته على الحكومة. ويفيد ثانياً ان هدف "الحزب" هو اقامة دولته في لبنان بالطريقة التي يراها مناسبة وانه يدعم حليفه "التيار الوطني الحر" صاحب النفوذ القوي مسيحياً لانه يقدم اليه غطاء يساعده على تحقيق اهدافه واضعاف الغالبية النيابية اذا اصرت على عدم التجاوب مع مطالبه. وهذا الحزب مدعوم مباشرة من ايران بكل مواقفه المنسّقة معها لانه في الدرجة الاولى يتبنى كل "مشروعاتها" ويساعد في تنفيذها. وهو مدعوم من سوريا لكن علاقاته بها يسيطر عليها منذ مدة غير قصيرة جو من الضباب الكثيف حيناً والخفيف حيناً آخر. ويفيد التقويم نفسه ثالثاً ان الجيش اللبناني واقع تحت تأثير نفوذ جهتين قويتين هما سوريا و"حزب الله".
هل يعني ذلك ان اميركا قد تغيّر موقفها الايجابي من وصول لبنان الى مجلس الامن؟




متابعو هذا الموضوع يستبعدون ذلك لاسباب عدة. منها ان الوضع في لبنان غير محسوم بكامله لـ"حزب الله" اي لايران رغم امساكه به امنياً على الاقل. ومنها ان هناك فريقاً لبنانياً عنده غالبية نيابية لا يزال يقاوم الاهداف غير اللبنانية لهذا الحزب رغم تقديره مقاومته الناجحة لاسرائيل. ومنها ان لا مصلحة لسوريا في سيطرة خالصة للحزب على لبنان الذي تعتبره ساحة خلفية لها. ولذلك فانها قد تساعد على تأليف حكومة وان غير متوازنة وعلى التأثير عليها. وتأثيرها يمكن ان يكون ايجابياً اذا نجح العاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز في زيارته لدمشق امس واليوم في تأمين نوع من التواصل العقلاني وربما الودود مع لبنان. ومنها ان لبنان مع التزامه القضية الفلسطينية والصراع مع اسرائيل لم يمارس يوماً اللاسامية كي تندفع اسرائيل لاقناع اميركا وغيرها بحرمانه مقعد مجلس الامن غير الدائم. وعلى العكس من ذلك فان حرمانه هذا المقعد قد يدفعه ربما بكل شعوبه وفي ظل سيطرة "حزب الله" عليه الى اقصى التطرف وربما الى اللاسامية نفسها.

الا ان المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة ومع اقتناعها بان وصول لبنان الى مجلس الامن صار شبه محسوم تلفت اللبنانيين الى ضرورة استمرارهم في بذل المساعي والجهود حتى آخر لحظة لأنه ليس سهلاً على اميركا واسرائيل رؤية "حزب الله" او ايران أمامهم في مجلس الامن. وهي في اي حال تتوقع الا يكون لبنان العضو في مجلس الامن مرتاحا.
كان الله في عون مندوبه الدائم لدى الأمم المتحدة صديقنا نوّاف سلام.