قمّة دمشق تمحو عزلة سوريا وتعيدها سياسياً إلى ما قبل ٢٠٠٥ – نقولا ناصيف – الأخبار

شكّلت قمّة دمشق بين الملك عبد الله والرئيس بشّار الأسد حدثاً سورياً أكثر منه لبنانياً على ما كان يتوهّم اللبنانيون، رغم حال الترقّب الداخلي برجاء إبصار حكومة الوحدة الوطنية النور بفضلها. لكن أهمية الحدث اتسمت بإشارات رافقت استقبال العاهل السعودي في مطار دمشق:

ـــــ باقتصاره على احتفال رسمي، من غير مظاهر شعبية تعبّر سوريا من خلالها عن حفاوة استثنائية بالضيف، على نحو استقبال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في أول زيارة له للعاصمة السورية في 3 أيلول 2008، كذلك لم يبثّ التلفزيون السوري وقائع الوصول مباشرة كما اعتادت دمشق عند استقبال ضيوف كبار ومميّزين.




ـــــ باختصاره برنامج الزيارة من ثلاثة أيام كانت تشمل ثلاث مدن سورية إلى يومين، بناءً على رغبة ملكية، نقلها ضباط استخبارات سعوديون إلى نظرائهم السوريين إبان الإعداد لها، اتصلت بتقليل تحرّك الملك، حرصاً على أمنه وسلامته من تهديد محتمل من تنظيم القاعدة، فلبّت دمشق متطلّبات الأمن السعودي، أضف عدم إرهاق العاهل الثمانيني.
تعاطت سوريا مع الزيارة بهدوء، وعدّتها انتصاراً سياسياً كبيراً لكونها أول زيارة لعبد الله لها، ولأنها تعيد تطبيع علاقات البلدين بعد إحدى أسوأ المراحل التي شهدها البلدان على مرّ تاريخهما، بين 2005 و2008. احتضن عبدالله ـــــ وكان لا يزال ولياً للعهد ـــــ الأسد الابن خلفاً لوالده الراحل الرئيس حافظ الأسد، بيد أن علاقته به انفجرت قبل أشهر قليلة من تسلّمه العرش بانضمامه إلى مصر والمجتمع الدولي لفرض عزلة خانقة على سوريا إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، عزلة تفتح الباب على إسقاط النظام، وفي ألطف الأحوال ترويضه. ثم هدأت علاقتهما أشهراً أخرى حمت نظام سوريا قبل أن ينفجر النزاع مجدّداً في حرب تموز 2006، فوقعت القطيعة والاتهامات المتبادلة، ثم انفرجت بمصالحة الرجلين في قمّة الكويت في كانون الثاني. مذ ذاك اتفقا على زيارة الملك دمشق، ولم يبتّا موعدها الذي تقلب تارة لأسبابهما، وطوراً لإقرانها بزيارة زعماء قوى 8 و14 آذار دمشق، بالتزامن مع وصول الملك إليها.

وفي انتظار نتائج قمّة دمشق، يكمن بعض مغازيها في الملاحظات الآتية:
الرياض ودمشق تشجّعان توافق اللبنانيين ولا تتأثران بخلافاتهما

1 ـــــ اتفق عبد الله والأسد في قمّة جدّة في 23 أيلول، في حضور مستشار الملك ابنه الأمير عبد العزيز، على فصل موقفيهما من لبنان عن العلاقات الثنائية، وقرّرا تشجيع الأفرقاء اللبنانيين على الحوار، وفق القول بأن توصّلهما إلى توافق داخلي يعزّز العلاقات السعودية ـــــ السورية، وخلافهما لا يؤدي إلى نفور في هذه العلاقات التي تبقى في منأى عن آثار الأزمات اللبنانية. ويرمي تفاهم الزعيمين إلى تثبيت علاقات البلدين في مواجهة استحقاقات، تبدو أكثر إقلاقاً للسعودية منها لسوريا، وخصوصاً حيال اتساع النفوذ الإيراني وتدخّله الواسع النطاق في العراق وفلسطين ولبنان، وتمدّده إلى اليمن. بذلك لم يعد ملف لبنان أكثر الملفات الإقليمية الساخنة إحراقاً للأصابع، في ظلّ اتفاق الرياض ودمشق على رعاية استقراره.
لكن عبد الله والأسد لا يقاربان موضوع لبنان وجهاً لوجه إلا بمواقف عامة مبدئية لأسباب، منها عدم رغبتهما في الظهور مظهر المتعاطي بشؤون لبنانية، ومنها أن ملف لبنان في يد الرئيس السوري، فيما معرفة الملك به عابرة، نظراً إلى وضعه بين يدي مدير الاستخبارات الأمير مقرن بن عبد العزيز الذي يمسك بدوره بملف العراق. أما الوزير عبد العزيز خوجة، فلا يتعدى دور الوسيط بين مقرن وقوى 14 آذار التي تحظى بدعم مدير الاستخبارات السعودية، وقد وضع بين يديه في الأشهر الماضية ملف الانتخابات النيابية وسبل إيصال قوى 14 آذار إلى انتصارها فيها بشتى الوسائل والإمكانات.

2 ـــــ اتفق عبد الله والأسد على ضرورة تأليف حكومة وحدة وطنية، والتقيا خصوصاً على أن كلاً منهما يملك قدرة على التعطيل حيالها، إلا أن لكل منهما أيضاً مصلحة مباشرة في تأليفها: يريد ملك السعودية إنجاح الرئيس المكلف سعد الحريري في ترؤس الحكومة وتخطيه مآزق التكليف الثاني بعد تكليف أول آل إلى اعتذار، وكلاهما ـــــ في ظلّ تعثر التأليف والرضوخ لشروط المعارضة ـــــ يفضيان إلى ضمور أهمية تزعّم الحريري الغالبية النيابية، وصورته كرئيس حكومة يضاهيه الوزراء نفوذاً. في المقابل تريد سوريا حكومة وحدة وطنية تكرّس تقويض نتائج انتخابات 2009 بتعزيز فاعلية المعارضة في مجلس الوزراء، رغم خروجها من الانتخابات خاسرة. وهذا مضمون مناداة دمشق بتوافق ومشاركة لا يؤولان إلا إلى تأليف حكومة تتجاهل نتائج هذه الانتخابات. مع ذلك، أبلغت دمشق إلى الرياض مراراً أنها لن تمارس ضغوطاً على حلفائها في المعارضة.

3 ـــــ تحتّم زيارة العاهل السعودي “شطف” الاتهامات السياسية التي سيقت إلى دمشق باغتيال الحريري الأب، من غير أن تؤدي إلى تعطيل المحكمة الدولية، وقد أصبحت، في عهدة مجلس الأمن، خارج لبنان والعرب في آن واحد. بذلك تكمّل النتائج السياسية لشطف مماثل في الداخل حصل مع إطلاق المحكمة الضباط الأربعة وإسقاطها اتهامهم بدور متلازم مع سوريا لاغتيال الحريري. لكن الزيارة أعادت إلى سوريا، بغطاء سعودي ملكي وجّه أهتماماً أكبر إلى الأخطار التي تحيط به، دوراً سياسياً أوسع في لبنان بدأ يقفز فوق التطورات التي أعقبت شباط 2005. لم تعد تحتاج إلى جيشها واستخباراتها لإبراز نفوذها في هذا البلد، والدخول طرفاً بين الموالاة والمعارضة، واستعادة لعبتها المفضلة بالرقص على التناقضات اللبنانية.