تحديات تلقف مسار المحكمة الخاصة بلبنان: مشروع فتنة أم مصالحة وطنية؟ – فادي فاضل – السفير

الدور المنتظر والمهام المرتقبة من المحكمة الخاصة بلبنان تتمحور حول إحقاق العدالة وملاحقة المجرمين الإرهابيين ووضع حد للإفلات من العقاب. وما نرجوه عدا ذلك يشكل عبئاً وبغير محله يقع على كاهل المحكمة. ولكن في ظل المفارقات الأساسية والأضداد في المقاربات بخصوص مسار المحكمة، لا بد من أن نلفت الانتباه إلى إشكالية تلقف مسار المحكمة على الصعيد الداخلي وأن نحسس الرأي العام اللبناني على خطورة الانزلاق في فتنة مذهبية أو حرب أهلية إذا لم نضع مسافة بين مسار المحكمة وحكمها النهائي والحفاظ على الاستقرار الوطني.
هذه المسافة والفسحة الخلاقة في عملية التلقف تصبح مناسبة تاريخية لتحقيق مصالحة مذهبية وطائفية ووطنية وإقليمية، ما لم يحصل منذ ثلاثين عاما حتى الآن. فالمصالحة، بمفهومها القانوني الدولي والسياسي والاجتماعي لا تقتصر على زيارات لمرجعيات روحية أم زمنية بعضها لبعض بل هي قبل كل شيء مسار ومسيرة تتحقق من خلال إحقاق العدالة وكشف الحقيقة والتعويض العادل للضحايا.

ولكن قبل الوصول إلى إشكالية التلقف و«استقبال» مسار المحكمة وحكمها النهائي، لا بد من التوقف عند شوطي تسييس المحكمة وعدم تسييسها. فما هي البيّنات لهذه المقاربات؟




1ـ لماذا المحكمة الخاصة بلبنان «مسيّسة»؟

ـ للتذكير، ان لجنة التحقيق الدولية التي أنشئت بموجب قرار دولي صادر عن مجلس الأمن 1595/2005 شكلت المرحلة السابقة لقيام المحكمة. بالرغم من عدم صلاحية هذه اللجنة بتوقيف أشخاص على ذمة التحقيق، ان المهام التي أعطيت لها بموجب القرارين 1636 و1644 عززت صلاحياتها محليا وإقليميا. فمما لا شك فيه ان كل قرار يصدر عن مجلس الأمن له حيثيات سياسية ويدخل ضمن نطاق المفاوضات والمقايضات السياسية بين الدول الخمس الدائمة العضوية. والانتقادات والتحفظات على أداء لجنة التحقيق الدولية، ولا سيما خلال تولي القاضي ديتليف ميليس رئاستها، تندرج حتماً في هذا السياق السياسي الذي أنشأ هذه اللجنة.
من جهة أخرى، توصية المحقق ميليس بتوقيف أشخاص على ذمة التحقيق قد تم إطلاق سبيلهم بعد ثلاث سنوات وثمانية أشهر لعدم وجود أدلة واضحة ودامغة توصفهم كمشتبه فيهم أو كمتهمين بحسب معايير المحكمة، فسّرت كمندرج في خطة سياسية لا تمت بصلة إلى المهنية الخاصة بالتحقيق. كما ان عدم ملاحقة شهود الزور من قبل القضاء اللبناني بعد ان أعطاهم المدعي العام الدولي هذا التوصيف يضيف عامل التسييس على مجرى التحقيق.
فالمادة 408 من قانون العقوبات تشير الى ان شاهد الزور يعاقب «بالحبس وبالأشغال الشاقة عشر سنوات على الأكثر».
غياب الفعل من قبل القضاء اللبناني لإدانة شهود الزور ومقاضاتهم، ولو كان ذلك يدخل في النطاق الاستنسابي، لا يخدم الشفافية المرتقبة من عمل لجنة التحقيق الدولي والقضاء اللبناني صاحب الاختصاص حصرا خلال هذه الفترة.

ـ أما في ما يخص القرار الدولي 1757/2007 الذي أدخل الاتفاقية بين الأمم المتحدة حيّز التنفيذ، فلقد تلقفته الأطراف السياسية المحلية والإقليمية كإرادة سياسية دولية في إنشاء هذه المحكمة وإبقائها تحت سيطرة مجلس الأمن، على غرار الإرادة السياسية الدولية التي أنشأت المحاكم الدولية الخاصة بيوغوسلافيا، ورواندا، وسيراليون. والمقصود في هذه المقاربة أن الإرادة السياسية التي أوجدت القرار 1757 لن تتوقف عند هذا الحد، بل سوف تتدخل وتتداخل مع عمل المحكمة الخاصة بلبنان وتفرض شروطها السياسية على القضاة (أو على الأجهزة القانونية التابعة للمحكمة) وعلى المدعي العام الدولي (أو على معاونيه). شبح المعادلات الصعبة التي حكمت إلى حد ما عمل المحاكم الدولية المذكورة آنفا ـ بأي ثمن نكشف الحقيقة؟ إحقاق العدالة أم ملاءمة السياسة الدولية؟ ـ ما زال مخيما في ذهن المشككين في نزاهة القضاء الدولي. فما صرح به الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في 30 كانون الأول 2007 خلال زيارته مصر شكل صدمة للقانونيين. ان الرسالة التي بعث بها الرئيس الفرنسي من مصر لسوريا أن تنفتح على الغرب وتتعاون معه وتساهم في تعزيز السيادة اللبنانية والاستقلال وانتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، وإلا فالمحكمة الخاصة بلبنان بالمرصاد، فسّرت كاستخدام المحكمة لمصالح سياسية إقليمية ودولية!
ـ على مستوى انطلاق عمل المحكمة، بدءا من إصدار القرار الاتهامي، يلاحظ المراقبون الجنائيون أن ستة أشهر مضت من آذار 2009، ولم تبدأ المحكمة عملها فعليا. وتمويل هذه الفترة يقع على كاهل المواطن اللبناني وبعض الدول المانحة. وتتساءل الأطراف المشككة باستقلالية المحكمة ان لم يكن مناسبا لو بقيت لجنة التحقيق، التي كان يرأسها القاضي بلمار، تقوم بعملها في استكمال التحقيق على نفقة الأمم المتحدة، بدل أن يقوم، منذ آذار 2009، مكتب المدعي العام بهذه المهام؟ من جهة أخرى، ان كان القاضي بلمار يملك الأدلة لتوجيه القرار الاتهامي، كما ردد في مقابلاته الصحافية الأخيرة، وإصدار، من قبل قاضي الإجراءات التمهيدية، مذكرة التوقيف، فلماذا التأخير إذاً؟ أهناك انتظارات لها علاقة برهانات سياسية في المنطقة؟ أهناك عوامل سياسية داخلية في لبنان تؤخر التقدم في مسار المحكمة؟

ـ بعدما أعلن سابقا عن زيارة رئيس المحكمة القاضي انطونيو كاسيزي إلى لبنان وإلى المنطقة من أجل توقيع اتفاقيات تعاون مع بعض الدول الاقليمية، تم إرجاء هذه الزيارة مرتين… ففي ظل التساؤلات عن مدى استقلالية المحكمة بالنسبة للرهانات السياسية الدولية، فُسّر هذا التأجيل مرتين وكأن التداعيات السياسية الراهنة ليست مؤاتية لزيارة القاضي انطونيو كاسيزي: هل من الحكمة الإعلان عن الزيارة وإرجاؤها في ما بعد؟ هل من ظروف سياسية محلية وإقليمية ودولية مشروطة بالملاءمة لقيام رئيس المحكمة بزيارة «مهنية» للبنان وللمنطقة؟
بانتظار أن تبدأ المحكمة الخاصة بلبنان بعملها، لا يسعنا تقويم هذا المسار منذ الآن إلا من خلال إصدار الأحكام المسبقة. وهذه ليست سمة الأكاديميين والموضوعيين. فباستطاعتنا فحص الضوابط الموضوعية الخاصة بمسار المحكمة من أجل تقويم الشفافية والمصداقية والاستقلالية المرتقبة لهذه المحكمة.

2ـ الضوابط الموضوعية لعدم تسييس مسار المحكمة

ـ اولا، ان المحكمة الخاصة بلبنان ليست بمحكمة دولية. هذه الهيئة هي دولية على غرار المحاكم الدولية الخاصة بيوغوسلافيا ورواندا وسيراليون الخ. ان هذه المحكمة لها «طابع دولي» وليست دولية. أنشئت بموجب اتفاقية ثنائية بين لبنان والامانة العامة للامم المتحدة. أما تدخل مجلس الأمن، فهو مقتصر على القرار 1757 عند عملية إدخال هذه الاتفاقية حيّز التنفيذ. بالتالي، يمكن الجزم بأن لا علاقة مباشرة، مؤسساتية ومادية بين المحكمة الخاصة بلبنان ومجلس الأمن الدولي. فالتقارير التي يصدرها رئيس المحكمة مثلا، تعني مباشرة الحكومة اللبنانية والأمانة العامة للأمم المتحدة ولا تعني مجلس الأمن الدولي. إنها لمفارقة جوهرية وتمايز أساسي مع وضع المحاكم الدولية السابقة والحالية.
أضف الى ذلك، بتاريخ 5 حزيران 2009 تبنى قضاة المحكمة الخاصة بلبنان بالإجماع تعديلا على قواعد الأصول والأدلة. في سياق التعديلات، عُدلت المادتان 21 و79 من هذه القواعد، اللتان كانتا تتيحان لرئيس المحكمة الخاصة بلبنان وللمدعي العام، أن يذهبا الى مجلس الأمن الدولي عندما لا تتعاون الدول المعنية مع هذه المحكمة. مع تعديل، ما من سبيل من الان وصاعدا للذهاب الى مجلس الأمن لتقديم هذه الشكاوى. فرئيس المحكمة يتولى المفاوضات مع الدولة (الدول) المعنية، وينهي المسار هنا.

ـ ثانيا، إن حقوق المشتبه فيهم أو المتهمين معززة جدا في ضوء مبدأ قرينة البراءة، وذلك بتمايز عميق مع قوانيننا المحلية ومع القواعد التي اعتمدت في المحاكم الدولية الحالية. على سبيل المثال، ان مدة التوقيف، في المحكمة الخاصة بلبنان، للمشتبه فيه (فيهم)، محدودة بسقف زمني (تسعين يوما). والتوقيف لا يحصل إلا بتوصيف الموقوف «كمشتبه فيه» أو «كمتهم»، وتتم رقابة قضائية من قبل قاضي الإجراءات التمهيدية على قرار المدعي العام الدولي، فإما أن يؤكد هذا القرار وإما أن يرجعه لعدم توافر الأدلة. وهذه مفارقة جوهرية مع قوانيننا المحلية حيث لا رقابة قضائية على مذكرات التوقيف الصادرة عن قاضي التحقيق أو عن المدعي العام، ما من سقف زمني لعدد لا يستهان به من الجرائم (المادة 108 من قانون اصول المحاكمات الجزائية) ويمكن توقيف أي شخص دون توصيفه كمشتبه فيه أو كمتهم… فاحترام المحكمة الخاصة بلبنان للمبادئ الدولية والأساسية لحقوق الإنسان والحريات العامة، وتكريس مبدأ قرينة البراءة، تفوق قوانيننا واجتهاداتنا المحلية.
ـ ثالثا، على عكس ما يحصل في المحاكم الدولية أو في بعض المحاكم الوطنية، ان المدعي العام الدولي مجبر على أن يقدم «أدلة» واضحة لتوقيف مشتبه فيهم أو لإصدار قرار اتهامي. والمفارقة تكمن في أن القواعد الخاصة بالمحاكم الدولية الحالية تكتفي بتقديم «بيّنة» أو «قرينة» أو «وقائع جدية» لتوقيف المشتبه فيه أو المتهم. وهذا يأتي في سياق تعزيز حقوق الدفاع وقرينة البراءة، حيث إن الحرية هي المبدأ الأساسي والتوقيف هو الاستثناء.

من جهة اخرى، يكثر الحديث عن استحقاق في عمل المحكمة ويبدو للرأي العام كأنه هدف قيام المحكمة، ألا وهو إصدار القرار الاتهامي! الجدير بالذكر أن هذه المرحلة هي بداية العمل القضائي للمحكمة وليست النهاية. فإحقاق العدالة يتحقق مع إصدار الحكم النهائي.
ـ رابعا، على عكس قواعد الأدلة في المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا، ان المادة 102 من قواعد الأصول والأدلة للمحكمة الخاصة بلبنان «تلزم» قاضي الإجراءات التمهيدية بالإفراج المؤقت اذا لم يكن هناك من ضرورة للتوقيف. أما المادة 65 من قواعد الأدلة في المحكمة الدولية بيوغوسلافيا فـ«تلزم» قاضي الإجراءات التمهيدية «بالتوقيف الاحتياطي»، إلا اذا وجدت أسبابا يعتبرها «استنسابيا» صالحة للإفراج. صياغة هاتين المادتين تشير الى فلسفة قانونية خاصة بالمحكمة الخاصة بلبنان من جهة احترامها المعايير الدولية لحقوق الإنسان ولمبدأ الحريات العامة، بعيدا عن استنسابية الادعاء أو الرقابة القضائية.

ـ خامسا، اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان يكمن في «محاكمة الأشخاص والأفراد المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط»… وهجمات اخرى لها صلة بجريمة اغتيال الرئيس الحريري (المادة الأولى من نظام المحكمة). لا يأتي هذا النظام على ذكر محاكمة رؤساء دول، أو وزراء أو شخصيات تتمتع بالحصانة الدبلوماسية، أو محاكمة أحزاب أو تيارات سياسية أو طوائف أو مذاهب أو أنظمة سياسية الخ. فالاختصاص محدود بالأشخاص والأفراد «شخصيا»، دون التوسع في انتماءاتهم الى مؤسسات معنوية. ما المفاد من هذه الملاحظة؟ معنى هذا الاعتبار القانوني ان الاشخاص الذين سوف يشتبه فيهم أو يتهمون ويحاكمون، يمثلون شخصهم الكريم فقط، مهما كانت انتماءاتهم الطائفية أو الحزبية أو السياسية عميقة. فالمحاكمة لا تطال هذه الانتماءات بل تطال أفراداً مسؤولين عن أعمالهم ومضطلعين بهذه الجريمة. لِمَ الخوف من محاكمة أشخاص يمكن أن يكون لهم انتماءات طائفية معينة أو لون سياسي معين أو حتى تراتبية حزبية معينة، مع العلم أن القيادات في الصف الاول ليست معنية مباشرة أو بطريقة غير مباشرة بهذه القضية؟
في ضوء هذه الاعتبارات كيف سيتلقف اللبنانيون مسار المحكمة؟ نقول «اللبنانيون» لأننا لا نعــول على وعي الطبــقة الســياسية التي تارة تهاجم المحكمة وتارة اخرى تدافع عنها دون معرفة علمية عن كثب لمسار هذه المحكمة.

أنشئت المحكمة اولا لتبيان الحقيقة وإحقاق العدالة وصون حقوق الضحايا، بدل أن تغرق قضيتهم في الرمال المتحركة السياسية، محليا وإقليميا، كما سبق لجرائم اخرى إرهابية وفظيعة أن غرقت. فالمحكمة، بفلسفتها ونظامها ومجمل قواعدها وجدت لملاحقة ومحاكمة المجرمين وحماية حقوق الضحايا وعوائل الشهداء. من جهة اخرى، تحترم المحكمة الخاصة بلبنان المبادئ الأساسية الخاصة بحقوق الإنسان وتعزز الى أقصى حد حقوق الدفاع وحقوق المتهمين. فالآلية القانونية باتت جاهزة لتتحرك بميزان عادل ومستقل وشفاف بالتوفيق بين حقوق الضحايا المتهمين. بالتالي، مهما كانت جنسية أو طائفة أو مذهب أو الانتماء السياسي للمشتبه فيه وللمتهم وللمجرم، لا صلة بين عمله المدان وشخصه من جهة والانتماء من جهة اخرى.

إن درجة الوعي والنضوج عند اللبنانيين تشكل المعيار في التلقف الموضوعي لمسار المحكمة. فإذا ما توافرت هذه الشروط، يمكننا عندها أن نعتبر أن المصالحة الوطنية بين الفئات المتنازعة تسلك الدرب الصحيح، حيث إن الحقيقة لا تعد تطال أنظمة أو أحزابا أو تيارات، بل ترسم حدودها عند الأشخاص المحكومين بهذا الجرم. فنتحدث إذاً عن تلقف مسؤول لعمل المحكمة بدل زجها من الآن عمدا في خانة التسييس، غير مستندين إلى أدلة واضحة و«دامغة». عمل المحكمة أشبه من هذا المنظار بعمل لجان كشف الحقيقة وإحقاق العدالة الانتقالية، حيث إن الإفلات من العقاب ينتهي والتعويض للضحية يكتمل وتلتقي جميع الفئات المكونة للمجتمع من أجل إدارة الشأن العام سوية وبعيدا عن أشباح الماضي وأهواله.

البديل من التلقف المسؤول لهذا المسار هو تأجيج الفئوية المذهبية والطائفية والسياسية الضيقة عند الشعب اللبناني من قبل الطبقة السياسية.
ويبدأ (أو يستكمل) عندها مشروع الفتنة المحلية خدمة لمشروع إقليمي يتلاءم مع تخبط اللبنانيين بين بعضهم بعضا لإبعادهم عن موقع القوة في المفاوضات الإقليمية بشأن النزاعات ولخدمة أجندة خاصة تسمح بالتدخلات بالشأن اللبناني.

أيهما نختار؟ الخير أم الشر؟ عسى أن تعي الطبقة السياسية مخاطر تسييسها للمحكمة الخاصة بلبنان…