لبنان من قعرٍ الى قعرٍ – سركيس نعوم – النهار

يرجح متابعو الازمة الحكومية ان تنجح في وقت قريب المساعي الحثيثة التي تبذل لانهائها اولا من رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري وثانياً من رئيس الجمهورية ميشال سليمان وثالثاً من العربية السعودية ورابعاً من سوريا بشار الاسد وخامساً من فرنسا، هذا اذا لم يحصل تطور ما سلبي طبعاً محلي او عربي او اقليمي او حتى دولي يعيد الاوضاع كلها الى النقطة الصفر. ويبني هؤلاء ترجيحهم على عودة الحرارة الى العلاقات بين العاهل السعودي والرئيس السوري بعد البرودة التي سادتها في اعقاب مصالحتهما على هامش قمة الكويت الاخيرة والتي تسبب بها تعثر تنفيذ "التسوية" للازمة المشار اليها اعلاه التي وضعتها دمشق والرياض. اولا، بسبب عدم تجاوب فريق 14 آذار معها وتحديداً زعيمه النائب سعد الحريري. وثانياً، بسبب اعتبار مصر هذه التسوية مجحفة للبنان وسنَّته تحديداً واقناعها السعودية بالتخلي عنها. وثالثاً، بسبب مشاركة اميركا مصر و14 آذار في موقفهما السلبي من التسوية وقيامها بما يلزم مع المملكة لتغيير موقفها. علما ان الانصاف يقتضي الاشارة الى ان القيادة السعودية شعرت بالمرارة من الموقف "اللبناني" الرافض لتسوية كانت هي طرفاً فيها وربما بالاستياء من حلفائها الذين اتخذوه. كما شعرت بالمرارة لإدراكها ان سوريا نجحت مرة اخرى قد لا تكون اخيرة في سياق علاقتها بالسعودية الطويلة في الأخذ منها ومن حلفائها اللبنانيين من دون اعطائهم اي شيء في المقابل.
ويبني المتابعون انفسهم ترجيحهم ايضاً على التحرك المزدوج الذي قامت به فرنسا في الايام القليلة الماضية في اتجاه لبنان الرسمي ومرجعياته ولبنان "الفعلي" واحزابه وتياراته وطوائفه ومذاهبه وفي الوقت نفسه في اتجاه سوريا "الواحدة الموحدة" خلف رئيسها بشار الاسد.

ويبني المتابعون انفسهم ترجيحهم ثالثاً على وصول الاطراف اللبنانيين المتنازعين على كل شيء الى موقف مشترك او شبه مشترك هو ضرورة تأليف حكومة ترسي اسس هدنة معقولة ريثما تنجلي الاوضاع الخارجية من عربية واقليمية ودولية. وما اوصل هؤلاء الى موقف كهذا تعرض بعضهم لأزمات او خضات "داخلية" تقتضي منه عملاً دؤوباً وجهوداً ضخمة لانهائها أو لمنعها من الإنعكاس سلباً عليه حضوراً شعبياً ودوراً سياسياً وامنياً وعسكرياً. وما اوصلهم اليه ايضاً ادراك بعض آخر منهم ان انقطاع الامل في تأليف حكومة سيضع البلاد امام تطورات صعبة وربما دراماتيكية. كما انه قد يدفع مراجع مهمة الى اعادة النظر في مواقفها واصطفافاتها الامر الذي يمكن ان يقلب ميزان القوى القائم حالياً رأسا على عقب.




ويبني المتابعون اياهم ترجيحهم رابعاً واخيراً على رغبة الرئيس المكلف في الانتهاء من تأليف الحكومة الاولى له منذ تعاطيه الشأن العام بعد استشهاد والده الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وحرصه على ان يتكون لدى الرأي العام وخصوصاً مناصريه انطباع قوي عنه قد لا يوفره الاعتذار مرة ثانية عن عدم التأليف واتجاه غالبية النواب بقدرة قادر غير داخلي طبعاً، ومعهم رئيس الدولة، الى تكليف شخصية اخرى القيام بهذه المهمة.
هل تُريح الحكومة الجديدة في حال تأليفها رئيسها سعد الحريري ومعه الفريق السياسي الذي يقود في اطار 14 آذار؟

المعلومات المتوافرة عند اكثر من مصدر ديبلوماسي مطلع عربي واجنبي ترجح ان يعيش الحريري اسوأ ايامه مع الحكومة الجديدة. وتلفت الى ان الايجابية التي يلقى في المشاورات من معارضيه في 8 آذار والتي فاجأت الكثيرين من مؤيديه واقلقتهم في آن واحد لا تعكس إطلاقاً تراجعاً في المواقف او تخلياً عن اي امر او استعداداً للتساهل معه في امور لا يريدون بل لا يستطيعون التساهل فيها، ذلك ان الهدف من الايجابية المذكورة هو في الواقع هدفان. الاول، اقناع الرأي العام بشقيه وخصوصاً المعارض للحريري بأنه يسهل مهمته ولا يضع العصي في دواليبها ومن خلال ذلك اقناع الدول المعنية بلبنان من عربية واجنبية ان سوريا وايران لا تعرقلان تأليف الحكومة الجديدة. ومن شأن ذلك دفعها الى عدم التدقيق في المواقف اللبنانية لسوريا والى التفاهم معها على قضايا اخرى لا تتعلق بلبنان الذي تفضل ان يبقى ساحة خلفية لها. والثاني، هو الحصول ولكن من خلال الايجابية على ما لا يستطيع الحريري وفريقه رفضه اي 15 + 10 + 5 اي حكومة توافقية مع ثلث معطل بوزير او بأكثر وخصوصاً اذا تم الاتفاق على اعطاء رئيس الجمهورية حقيبة الاتصالات ولكن بعد ان يسمي من كان متمسكاً بها وزيرها ومع توزير الخاسرين وما الى ذلك.
وتشدد هذه المعلومات على ان الحكومة الجديدة قد تكون مهمتها دفع رئيسها الى "شرب زوم الزيتون" كما يقال وجعل عمله محفوفاً دائماً بالصعوبات والعقبات والعراقيل إما بهدف التخلص منه سياسياً طبعاً او وضعه على الرف مدة طويلة. وقد يكون ذلك هدف اخصامه المحليين لكنه قطعاً هدف لاخصامه الاقليميين وفي مقدمهم سوريا. وما قد يساعد هؤلاء الاخصام على تحقيق مبتغاهم او على الاقل على محاولة تحقيقه هو تحسّن العلاقة بينهم وبين العربية السعودية التي يعتبرها الجميع بالنسبة الى الحريري مثل ايران بالنسبة الى "حزب الله" ومثل سوريا بالنسبة الى آخرين وهو معرفة القادة في دمشق ان زملاءهم في السعودية مستمرون في الاهتمام بلبنان وفي ايلاء الموضوع السنّي داخله عناية كبيرة بل مطلقة لكنهم صاروا مقتنعين بأن السنّة في لبنان ليسوا واحداً بالنسبة اليهم اذ هناك طائفة سنّية كبيرة لها قيادات سياسية قوية وجدّية وهي مع كل هؤلاء وخصوصاً الذين استحقوا زعاماتهم بجهودهم وليس بجهود سوريا وغيرها. ولن تغامر بالوقوف مع واحد منهم فقط حرصاً عليهم وعلى مصالحها.
ماذا يعني ذلك كله؟

يعني امراً واحداً هو ان تأليف الحكومة قد لا يكون فيه خلاص لبنان او وضعه على سكة الإنقاذ رغم ان سوريا سهلته بعد عودة الحرارة الى علاقتها مع السعودية في ظل الزيارة المقررة هذا الاسبوع لعاهلها الملك عبدالله بن عبد العزيز لدمشق. فلبنان لا يزال في مرحلة الانحدار بل النزول من قعر الى آخر بدفع من اشقائه وحلفائه وحتما اعدائه. وكلما شارف الوصول سيتدخل بعض هؤلاء لكي يكون اصطدامه بالقعر ضعيفاً كي لا "يتكسّر". ثم يبدأون في حفر "الدهليز" الموصل الى قعر آخر وهكذا دواليك. طبعاً قد يعتبر البعض هذه الصورة متشائمة، لكنها في رأيي واقعية الى ان يثبُت العكس. واتمنى ذلك من كل قلبي.