العلاقات السعوديّة ـ السوريّة لم تعد تمرّ من البوّابة اللبنانيّة – نقولا ناصيف – الأخبار

لا تعدو القمّة السعودية ـــــ السورية في دمشق اليوم، كونها حلقة في سلسلة تقارب البلدين شقّ طريقه منذ القمّة الاقتصادية في الكويت في 19 كانون الثاني. مذ ذاك تلاحقت جهود توسيع نطاق المصالحة بين الملك عبد الله والرئيس بشّار الأسد سعياً إلى تفاهمهما على ملفات إقليمية عالقة بينهما، كان لبنان أحدها. وعشية قمّة دمشق، ينظر المسؤولون اللبنانيون باهتمام إلى ما قد يصدر عنها حيال بلدهم، وخصوصاً تأليف حكومة الوحدة الوطنية.

وبحسب معطيات متوافرة لدى محيطين بمراجع رسمية، تقترن قمّة دمشق بالآتي:




1ـــــ يشكّل لبنان أحد المواضيع التي سيتداولها عبد الله والأسد، من غير أن يسهبا طويلاً فيه، أو يناقشا تفاصيل تتخطى تأكيد حرصهما على استقرار هذا البلد وتأليف حكومة وحدة وطنية، ودعوة اللبنانيين إلى التوافق.

2ـــــ من الوهم الاعتقاد بأن الموضوع اللبناني سيقرّر نتائج قمّة دمشق، ومن ثمّ مصير العلاقات السعودية ـــــ السورية، ذلك أن كلاً من الملك السعودي والرئيس السوري سيعرض وجهة نظره حيال هذا الملف، من غير أن ينتهيا بالضرورة إلى تثبيت توافقهما عليه، نظراً إلى وفرة الأسباب التي تجعل كلاً منهما يتسلّح بمقاربة تتناقض في بعض جوانبها عن الآخر. ولا يحول ذلك دون تفاهمهما على ملفات أخرى تتعدّى لبنان. وخلافاً لمراحل سابقة أخصّها في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، لم يعد لبنان يصنع قمم العرب من أجله، إلا أن نجاح انعقاد قمّة يمكّنه من التقاط بعض نتائجها الإيجابية بانعكاسها استقراراً سياسياً وأمنياً على أراضيه.

3ـــــ تقارب العلاقات السعودية ـــــ السورية الملف اللبناني على نحو مشابه لمقاربة العلاقات الفرنسية ـــــ السورية، بعد أحداث 7 أيار 2008، عندما أخرجت باريس علاقتها بدمشق من دائرة الخلاف السوري ـــــ اللبناني واتهام سوريا بالتدخّل في الشؤون اللبنانية وتقويض استقرار هذا البلد. وبعدما كانت قد اشترطت بين عامي 2007 و2008، في ظلّ الرئيس نيكولا ساركوزي، أي استئناف لعلاقاتهما الثنائية باحترام سيادة لبنان واستقلاله وعدم التدخل فيه، باتت العلاقات الفرنسية ـــــ السورية مستقلة تماماً عن الملف اللبناني، دون إغفال اهتمام الرئيس الفرنسي بلبنان. وما إن أعلنت سوريا تبادلاً دبلوماسياً بينها وبين لبنان، حتى اعتبر الفرنسيون أن الأوان قد حان لإخراج العلاقة الثنائية بسوريا من مدارها اللبناني، وقد بدا أنه استعاد سيادته واستقلاله، وبلغت اتساعاً وتطوراً غير مسبوقين جعلا باريس تنظر إلى دمشق على أساس أنها شريك لا يُستغنى عنه.
على نحو مماثل تتحرّك العلاقات السعودية ـــــ السورية. لا تشترط الرياض لاستئنافها تقديم دمشق تنازلات في لبنان. وكان قد بدأ هذا التحوّل مع توقيع اتفاق الدوحة في أيار 2008، وكان في صلب تفاهمهما على استقرار لبنان واستعادة حياته الدستورية. فانطلقت بطيئة خطوات تطبيع علاقة الرياض بدمشق بجهود بذلها مدير الاستخبارات العامة السعودية الأمير مقرن بن عبد العزيز، مراهناً على جدوى هذا التحوّل. ثم كانت ذروة مصالحة عبد الله والأسد في كانون الثاني الماضي، أعقبها تحرّك الأمير عبد العزيز نجل الملك والوزير عبدالعزيز خوجة لدى دمشق وبيروت، وإنجازهما تفاهماً على تأليف حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5، المكمّلة لمعادلة اتفاق الدوحة 16+11+3 التي رعياها بغية إبصار حكومة الوحدة الوطنية النور حينذاك.
وعلى غرار ما جهرت به السعودية باستمرار، وهي أنها تموّل كل تفاهم لبناني، وتدعم التسوية المنبثقة منه، تعاملت مع مرحلة ما بعد 7 أيار 2008 على أنها مكمّلة بدورها لحالات مشابهة: موّلت الوجود العسكري السوري عام 1976، ومؤتمري جنيف ولوزان عامي 1983 و1984، ومؤتمر الطائف عام 1989. وفي كل منها حتى اتفاق الدوحة، كانت سوريا الشريك الحتمّي للسعودية.

4ـــــ تلتقي دمشق والرياض على قواسم مشتركة في لبنان: أولها، إدراك سوريا تعذّر استعادتها الدور الذي خبرته في لبنان أكثر من 15 عاماً ببعديه السياسي والعسكري، بل راحت تقول منذ عام 2005 إنها لم تعد تريد هذا الدور، ولا تقرير مصير لبنان والتدخّل في شؤونه.
ثانيها، تجنّب توجيه اتهامات إلى سوريا بعرقلة الاستقرار السياسي في لبنان، فكان أن انتقلت دفة الاتهامات إلى إيران، في مقابل حضّ سوريا على الضغط على حلفائها لتليين مواقفهم، لم تعد بذلك صاحبة دور سلبي في لبنان.
ثالثها، إقرار متبادل بين السعودية وسوريا بأن لبنان لا يستطيع أن يتحوّل مقرّ نفوذ يتفرّد به أحدهما، بل صارا يتقاسمان التأثير فيه عبر طرفي النزاع المحليين في قوى 8 و14 آذار.

5ـــــ وفق معلومات مصدرها دمشق، لن يطرح الموضوع اللبناني في قمّة الملك والرئيس بنداً أساسياً في جدول الأعمال. وبحسب ما يوحيه مسؤولون سوريون فإن الزعيمين سيطرقان الموضوع في سياق المحادثات، في إشارة ذات مغزيين: أحدهما أن سوريا لا تريد التدخّل في الشؤون اللبنانية ولا مفاتحة أي طرف عربي بها، انسجاماً مع تكرارها القول إن تأليف حكومة وحدة وطنية مسؤولية لبنانية داخلية. والآخر أن علاقة دمشق بالرياض لم تعد تمرّ بلبنان الذي لا يمثّل ـــــ على أهميته بالنسبة إليهما معاً ـــــ عاملاً مباشراً للتطبيع الثنائي. ويرمي هذا القول أيضاً إلى أن سوريا بدورها لا تريد أن تمرّ علاقاتها بالعالم العربي بلبنان كمعبر إلزامي، أرغمها عليه الغرب والعرب بين 2005 و2008.