العالم العربي بين الأوغولية والمتكية – محمد السمّاك – المستقبل

أما الأوغولية، فنسبة الى أحمد أوغلو وزير خارجية تركيا وفيلسوف السياسة التركية الجديدة مع العالم العربي.
وأما المتّكية، فنسبة الى منوشهر متكي وزير خارجية ايران وأحد أعمدة النظام الايراني القائم على قاعدة ولاية الامام خامنئي.
التقى الرجلان أوغلو ومتكي مؤخراً في طهران. وكانا قد التقيا قبل ذلك في اسطنبول. والموضوع الثابت في اللقاءين كان العالم العربي. لا يزال الرجلان بعيدين عن التفاهم. ولا يزال بلداهما في حالة تنافس: أيهما يكسب الموقع المميز في العالم العربي، ترغيباً أو ترهيباً.
هناك اختلافات وخلافات بين تركيا وايران تباعد بينهما. ولكن هناك في الوقت ذاته مصالح مشتركة تدفعهما الى التنسيق والتعاون. من الاختلافات ان تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وانها تتعاون مع الولايات المتحدة وان هذا التعاون يرقى الى المستوى الستراتيجي. في المقابل فان ايران تعتبر ان مشاكلها مع العالم مصدرها وسببها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي.

ومن الاختلافات ايضاً ان تركيا تعترف باسرائيل. وانها الدولة الاسلامية الوحيدة غير العربية العضو في منظمة المؤتمر الاسلامي التي تقيم معها علاقات ديبلوماسية. وقد مكنتها علاقاتها هذه من التوسط بين اسرائيل وسوريا. وكادت وساطتها تصل الى النهاية السعيدة لولا سقوط حكومة ايهود أولمرت في الانتخابات الاخيرة التي أوصلت بنيامين نتنياهو وحكومته الدينية المتطرفة الى السلطة.
اما ايران فانها، وعلى لسان رئيسها أحمدي نجاد، فترفع شعار رفض الوجود الاسرائيلي وتضع نفسها في الصف الأمامي لمجابهة اسرائيل. وفي الوقت الذي تجري فيه تركيا واسرائيل مناورات عسكرية مشتركة تارة بمشاركة الولايات المتحدة، وتارة اخرى بصورة ثنائية، فان عرض القوة الذي تقوم به ايران من وقت لآخر تعتبره اسرائيل موجهاً اليها قبل سواها من دول المنطقة. حتى انها تنظر الى الملف النووي الايراني على انه يستهدف الكيان الاسرائيلي في الدرجة الأولى. وتمسك ايران بورقة للمساومة تفتقر تركيا الى مثلها. فلايران علاقات تعاون استراتيجي مع سوريا لم ترقَ اليها العلاقات التركية السورية رغم التطور الايجابي الذي طرأ على هذه العلاقات منذ أن استجابت دمشق الى طلب تركيا رفع الغطاء عن القائد الكردي عبد الله أوجلان وعناصر منظمته المسلحة.
كما تمسك ايران بأوراق ثلاث اخرى لا تقل أهمية :
العلاقة مع حركة حماس في قطاع غزة،
العلاقة مع حزب الله في لبنان،
العلاقة مع حزب الدعوة في العراق.
ومن خلال هذه العلاقات تحتلّ ايران موقعاً متقدماً في لعبة التأثير المباشر في مجريات الأحداث في كل من فلسطين ولبنان والعراق وتالياً في العالم العربي.




بالمقابل تملك تركيا ورقة الثقة المتبادلة مع المثلث السعودي المصري الأردني امتداداً الى بقية الدول العربية المرتبطة او المتوافقة مع النهج السياسي العام الذي يعتمده هذا المثلث. الا انها في الوقت ذاته استطاعت أن تعقد اتفاق تعاون استراتيجي مع سوريا "لتأمين حد أقصى من الاندماج وخصوصاً الاقتصادي"، ومن خلال هذا التطور المهم تقوم تركيا بوساطة بين سوريا والعراق، اضافة الى وساطتها بين ايران ودول 5+1 (الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي زائد ألمانيا) حول الملف النووي الايراني. لا يعني ذلك انه لا توجد خلافات تركية ايرانية. فمن هذه الخلافات الموقف من أذربيجان. وهي دولة تقع على شاطئ البحر الأسود ذات قومية لغوية وثقافية تركية ولكنها تدين بالمذهب الشيعي. لم تكن علاقات ايران بأذربيجان جيدة. حتى ان ايران انحازت الى جانب أرمينيا في حربها مع أذربيجان حول تقرير مصير اقليم ناكورني كاراباخ (وهو اقليم أذري ولكن غالبية سكانه من الأرمن، وتسيطر عليه الآن أرمينيا بعد صراع عسكري دامٍ مع أذربيجان). ولقد أدى الموقف التركي المتعاطف مع أذربيجان الى زيادة حدة الخلاف التركي الأرمني، فيما أدى الموقف الايراني الى اقامة جسر من التفاهم مع ارمينيا من فوق أذربيجان.
ومن الخلافات بين الدولتين كذلك، التنافس الشديد بينهما حول اي منهما تكون دولة الممر لشبكة خطوط أنابيب النفط والغاز من القوقاز الى الأسواق العالمية. فالممر الايراني هو الأقصر الى مياه البحر (الخليج العربي) والأقل كلفة مالياً. والممر التركي هو الأطول والأشد صعوبة طبوغرافياً، وتالياً الاكثر كلفة مالياً.

مع ذلك، فان مجموعة شركات النفط الدولية المستثمرة تؤثر الممر التركي على الايراني لأسباب سياسية. فتركيا دولة مستقرة حليفة للغرب وتتطلع الى عضوية الاتحاد الأوروبي، أما ايران فانها في حالة مجابهة مع أوروبا حول العديد من القضايا في مقدمها قضية ملفها النووي.
ثمة أمور ثلاثة تصبّ في مصلحة تركيا في اطار التنافس أو التعاون التركي الايراني في العالم العربي. الأمر الأول هو ان تركيا تعتمد الاسلام السني، فيما يشعر المسلمون السنّة في ايران بالدونية وخاصة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية على شاطئ الخليج (عربستان). أما الأمر الثاني فهو ان ايران متهمة بالعمل على انتاج سلاح نووي قد يستخدم سياسياً ومعنوياً على الأقل – للهيمنة على المنطقة العربية خاصة في منطقة الخليج، ولو تحت ذريعة الصراع مع اسرائيل.
واما الأمر الثالث فهو ان لايران مشاكل مع العالم العربي ربما يكون أهمها قضية الجزر الثلاث (ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) التي احتلتها ايران في عهد الشاه السابق محمد رضا بهلوي لدى الانسحاب البريطاني من الخليج في مطلع السبعينات من القرن الماضي.
وتدّعي ايران ان هذه الجزر العربية هي جزر ايرانية وان الحديث عن السيادة عليها هو تدخل في الشؤون الداخلية الايرانية، وهي ترفض حتى مبدأ التحكيم الدولي حول تقرير السيادة عليها. وقد سبق لجامعة الدول العربية ولمجلس التعاون الخليجي أن أكدا عروبة الجزر الثلاث، والالتزام بالدفاع عن حق دولة الامارات العربية باستعادة سيادتها عليها الا ان ايران تجاهلت كل هذه المواقف، وحوّلت الجزر الى قواعد متقدمة اقتصادياً وعسكرياً.
بالمقابل، كانت لتركيا مشكلة واحدة معلقة مع العالم العربي منذ العشرينات من القرن الماضي حول السيادة على لواء الاسكندرون، غير ان هذه المشكلة لم تعد مطروحة الآن بعد ان تفاهمت سوريا عليها مع تركيا.

في ضوء هذه التباينات والتناقضات التي تشمل مجالات متعددة سياسياً واقتصادياً، هل تستطيع ايران وتركيا العمل معاً في العالم العربي، أم ان علاقاتهما محكومة بالصراع كما كانت عليه في حقب تاريخية طويلة.. منذ الصراع العثماني الصفوي ؟
بالنسبة لوزير خارجية تركيا أحمد أوغلو فان العالم العربي يشكل المدى الستراتيجي الجديد القديم لتركيا. فهو يعمل على تصحيح الأخطاء التي وقعت فيها تركيا عندما اعتقدت ان التوجه نحو الغرب يعني أن تدير ظهرها للعالم العربي، وان من مستلزمات الانضمام الى الاتحاد الأوروبي التخلي عن الارث الثقافي والديني الذي يشد تركيا الى المجتمعات العربية. وتعتبر هذه النظرية الأوغولية تصحيحاً للتوجهات التركية التي سادت منذ قيام الدولة العلمانية على يد اتاتورك. وقد تولى أوغلو منصب وزير الخارجية لتحويل النظرية الى واقع سياسي جديد.

اما بالنسبة لوزير خارجية ايران منوشهر متكي فان العالم العربي يشكل ايضاً المدى الستراتيجي لايران، غير ان تفاقم العلاقات الايرانية مع الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا) والتعاون الذي يسود العلاقات العربية مع الغرب، اضافة الى التباين المذهبي وتوظيفه في التوجهات السياسية، فيشكلان معاً وجهين لحالة الاضطراب في العلاقات العربية الايرانية. ومن أجل حلّ هذه العقدة تحاول "النظرية المتّكية" الالتفاف على هذه الاشكاليات البالغة التعقيد، وذلك من خلال رفع شعارات العداء لاسرائيل، والدفاع عن القضية الفلسطينية وتبنّي هدف تحرير القدس من الاحتلال والتهويد. وقد ذهبت ايران بموجب هذه النظرية الى الدعوة الى اقامة تحالف عربي ايراني امني يغني عن مشروع مظلة الدفاع الاميركية وحتى عن التعاون القائم بين بعض الدول العربية وبعض الدول الغربية. الا ان هذه الدعوة لم تلقَ أذناً عربية صاغية في ضوء استمرار احتلال ايران للجزر الثلاث وفي ضوء التوظيف السياسي للتعددية المذهبية.

وهكذا يقف العالم العربي بين مطرقة "النظرية الأوغولية" وسندان "النظرية المتكية" وكأنه لا توجد نظرية عربية تشكل قاعدة قومية مستقلة للتعاون مع المتغيرات التي تعصف بالمنطقة وبالعالم