هل ينضم سليمان والحريري إلى قمة عبد الله ـ الأسد؟ – جورج علم – السفير

ينشغل بعض لبنان الرسمي والدبلوماسي بحديث عن مشروع حلف رباعي سعودي ـ سوري ـ تركي ـ إيراني، الغاية منه تحقيق مجموعة من الأهداف أبرزها اثنان: الحدّ من الحساسيّة السنيّة ـ الشيعيّة المتفاقمة في العالمين العربي والإسلامي، ومواجهة الهيمنة الإسرائيليّة المتمادية في المنطقة.

ويأتي الانفتاح السوري ـ السعودي ليعير هذا المشروع حيّزا من الدرس، بعدما قطعت الدبلوماسيّة التركيّة بقيادة وزير الخارجيّة أحمد أوغلو شوطا متقدما في التخطيط والإعداد.
وكانت القمّة السوريّة ـ التركيّة التي استضافتها أنقرة مؤخرا، قد شجّعت الرئيس بشّار الأسد على زيارة جدّة، وتحرير العلاقات الثنائيّة من رتابتها، ودعمها بالمنشطات المناسبة، وقيام أنقرة بتفعيل علاقاتها مع طهران. وتقرر ان يزورها وزير الخارجيّة أحمد أوغلو، إلاّ أن التوقيت قد تزامن مع بدء مفاوضات جنيف بين الإيرانييّن والدول الست (5 + 1) حول البرنامج النووي، وتقرر ان يقوم رئيس الوزراء رجب الطيب أردوغان بزيارة إيران خلال هذا الشهر. أما الغاية من هذا التحرك السوري ـ الإيراني المنسّق، فهو العمل على تنقية الأجواء ما بين الرياض وطهران لمواجهة الصلف الإسرائيلي المتمادي بعد استهداف مسجد الأقصى، ورفض تجميد الاستيطان.
وفي سياق المتداول، فإن هذا التحرّك يحفّزه غياب خارطة الطريق الأميركيّة لوضع العناوين التي أعلن عنها الرئيس باراك أوباما في جامعة القاهرة في الرابع من حزيران الماضي موضع التنفيذ، وإصرار إسرائيل على سياسة الاستيطان، ورضوخ الإدارة الأميركيّة للمشيئة الإسرائيليّة بعد إعلانها فشل مهمة جورج ميتشل، وإصرار حكومة بنيامين نتنياهو على القفز من فوق كل الأولويات المتصلة بعملية السلام، والتركيز على إيران، والتصويب على منشآتها النوويّة.




وتتماوج غلال كثيرة على بيدر التفاصيل، فمن الزاوية التركيّة كان هناك انزعاج واضح لدى أنقرة بعد عودة ميتشيل من المنطقة فارغ اليدين، وتعمّد الإسرائيلي رفع وتيرة تصعيده باتجاهين: المضي في سياسة الإملاء والإذلال من خلال دعوة الدول العربيّة والإسلاميّة الى تطبيع علاقاتها مع تل أبيب من دون أي مقابل، سوى التفكير ـ مجرد التفكير ـ بتجميد الاستيطان مؤقتا، والهجوم الإعلامي ـ الدبلوماسي على طهران «كونها محور الشر، وكون ان المشكلة تكمن في ترسانتها النووية؟».
واغتنم أردوغان فرصة وجوده في الأمم المتحدة ليشن أعنف هجوم على الدول الغربيّة لوقوفها ضدّ إيران لسعيها الى امتلاك قدرات نووية، في حين تغمض عينيها عن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية. وقال أمام الجمعية العامة: «لقد تحدّث معي الرئيس أحمدي نجاد، وقال أنهم لا يريدون إنتاج سلاح نووي، بل تخصيب اليورانيوم لأهداف سلميّة».

وأضاف: «نحن ضد وجود أسلحة نووية في الشرق الأوسط، لكن في الشرق الأوسط يوجد بلد عنده سلاح نووي هو إسرائيل، والفارق ان إسرائيل ليست موقّعة على اتفاقيّة منع الأسلحة النووية، فيما إيران موقّعة عليها».
وتابع: «لقد استخدمت إسرائيل الفوسفور ضدّ غزة. ما هذا؟ سلاح دمار شامل. ونتيجته قتل 1400 امرأة وطفل، وجرح 5 آلاف شخص. فلماذا لا نتحدث عن هذا؟، لماذا لا تناقش هذه المسألة؟.
وذكّر أردوغان بالعراق متسائلا: «ما الذي جرى في العراق؟، إن بلدا وحضارة بكاملها قد دمّرت، وقتل مليون إنسان. واليوم يريدون فعل الشيء نفسه بإيران، والذريعة السلاح النووي».
وفيما يتعلّق بمأساة غزّة، واصل أردوغان ما كان قد بدأه في «منتدى دافوس» الاقتصادي في29 كانون الثاني الماضي، ولكن هذه المرّة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قال: «الناس في غزّة يعيشون في الخيام ولا يجدون مياها يشربونها، وأمام هذا المشهد هل مارسنا دورنا الإنساني؟، وما الذي فعلته الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي؟، ألا يملكان من قدرة على فرض العقوبات أم لا؟».
واتهم القوى الكبرى بممارسة ازدواجيّة في التعامل مع المنطقة، قائلا: «بقدر ما هو الأمن مهم لإسرائيل، فإنه مهم أيضا للفلسطينييّن. وبقدر ما تريد إسرائيل ان تكون مستقرّة، بقدر ما هو مشروع للشعب الفلسطيني ان يكون حرّا ويعيش بسلام».

أما في ما يتعلّق بالدور السوري، فيكفي التأكيد بأن إسرائيل قد تمكّنت بفضل التنسيق والتعاون مع «الأخطبوط اليهودي» الفاعل داخل الإدارة الأميركيّة، من افتعال مشكلة في العلاقات ما بين دمشق والعراق لحمل الدولتين على التصادم، وإلهاء القيادة السوريّة، والعمل على شلّ قدراتها، ومنعها من القيام بدور الوسيط لمدّ جسور الثقة والتعاون ما بين السعودي ـ السوري ـ التركي ـ الإيراني لمواجهة الغطرسة الإسرائيليّة.
أما من زاوية القدس المحتلة، فهال إسرائيل إمكانية نشوء حلف إقليمي. وبعدما نجحت في تعطيل مهمّة ميتشل، حرصت على تغيير البوصلة، والاتجاه، عن طريق استغلال المواجهات الدامية في منطقة صعدة ما بين السلطات اليمنيّة والحوثييّن، لإثارة الحساسيات المذهبيّة ـ المناطقيّة، خصوصا ما بين السعودية وإيران، كما تمادت في التعويل على موجة التضليل، وكان آخر ابتكاراتها الترويج لما كانت قد اقترحت واشنطن على الرياض، من إمكانية فتح أجواء السعودية أمام طائرات إسرائيل الحربيّة لقصف المنشآت النوويّة الإيرانيّة. وكان الغرض من وراء ذلك: إبطال الوساطة التركيّة ـ السوريّة من جهة، وبناء المزيد من مداميك النفور والكيديّة، ما بين الرياض وطهران من جهة أخرى.

لم يساو هذا الخبر ثمن الحبر الذي استهلكه، لكن الحكومة الإسرائيليّة قررت المضي بقوة، وبالتعاون مع الإدارة الأميركيّة، وبعض دول الإتحاد الأوروبي، لنسف أي تقارب يؤدي الى نشوء هذا المحور الإقليمي، وجاءت محادثات جنيف أمس الأول لتوظفها إسرائيل في عكس هذا الاتجاه، وعلى قاعدة أن الحوار مع طهران قد بدأ ، وبالتالي لا حاجة الى قيام أحلاف وتحالفات من شأنها أن تدفع بالأوضاع في الشرق الأوسط الى المزيد من التأزّم!.
يدخل الملف الحكومي على هذا الخط، وينتظر لبنان زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز الى دمشق للبناء على نتائجها في اتجاهين: ما قد تحققه من تقارب بحيث تأخذ الرياض دور الريادة في قيادة محور عربي ـ إسلامي ـ إقليمي فى وجه سياسة التفتيت والاحتواء الإسرائيليّة. ثم ما يمكن ان يفيد لبنان من أجواء مؤاتية تمكنه من تأليف حكومة الوحدة الوطنيّة.

وتأتي زيارة وزير الدولة السعودي رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء الأمير عبد العزيز بن فهد الى قصر بعبدا، أمس الأول، لتؤكد على حيويّة الاتصالات الناشطة ما بين الرياض ودمشق وبيروت لتذليل العقبات التي لا تزال تعترض ولادة الحكومة، ولتحيي مجموعة من الأفكار ـ الخيارات التي يرى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان نفسه محاطا بها، ويمكن ان تشكل «مشاريع تحرك»، بينها احتمال قيامه بزيارة سريعة الى السعودية لتهنئة الملك عبدالله بن عبد العزيز على تدشينه جامعة العلوم والتقنيّة. وأيضا احتمال انضمامه الى القمة الثنائيّة السعودية ـ السوريّة المرتقبة في دمشق مع الرئيس المكلف سعد الحريري… ولكن ليست كل الأفكار والتمنيات قابلة للتنفيذ طالما أن هناك محاور خارجية أخرى تضغط في الاتجاهات المعاكسة؟!…