ما يدهش العالم… فعلاً! – راجح الخوري – النهار

سواء شكّلت الحكومة غداً أو لم تُشكل، كان مفيداً وضرورياً جداً ما فعله الرئيس المكلف سعد الحريري، عندما حوّل استشاراته النيابية المسهبة، طاولة حوار وطني وملتقى للتعارف (نعم للتعارف) والنقاش والبحث عن لغة مشتركة وقواسم جامعة بين القوى السياسية والحزبية اللبنانية المنغمسة في ما يشبه الحرب الأبدية، انطلاقاً من افتراضات وأوهام واتهامات اخترعها البعض ثم صدّقها على طريقة جحا!
كان مفيداً جداً جعل الاستشارات منتدى للمكاشفة وردهة تسمح للعقل ان يتكلم وللذهن ان يستمع بما ينتج نوعاً من التفاهم او على الأقل رغبة في التفاهم.
وهكذا لم يكن في وسع المواطن اللبناني الذي استمع الى التصريحات التصالحية المستريحة والمريحة، بعد اللقاء المطوّل بين الحريري والجنرال ميشال عون ونواب تكتل التغيير والاصلاح، إلاّ ان يصيح: سبحان الله!
نعم سبحانك اللهم، وقد أتحت لهذا الشعب الصابر ان يستمع الى عون يقف مبشراً بالتفاهم على مواضيع مدروسة ودقيقة وآملاً بالتوصل قريباً الى تشكيل الحكومة.

❒ ❒ ❒
في الواقع لم يضف الحريري حرفاً جديداً الى "أبجديته السياسية" التي دأب على تكرارها. فعندما قال أول من امس، ان هدف مشاوراته الجوهرية هو "بناء الثقة بين الافرقاء" فإنه أعاد صياغة دعوته الى "حكومة تلم شمل الجميع وتكون قادرة على العمل" بلغة جديدة.
اما عندما قال انه يرغب في أن يكون "رئيس حكومة كل لبنان" فإنه لم يكن يتحدث عن نفسه وعن وزنه كرئيس للحكومة، بل عن تمسكه الصلب بحكومة الوحدة الوطنية التي هي حكومة كل لبنان.
في المقابل عندما قيل أن الجو التفاؤلي وحديث عون عن التفاهم، يعودان الى اكتشاف تناغم بين الطرفين على ملفات وعناوين سياسية واصلاحية، وهو ما أوجد دينامية ساعدت على بلورة قواسم مشتركة، كان من الطبيعي ان يصيح المواطن اللبناني مرة أخرى: سبحان الله.
لماذا؟
لسبب بسيط وهو ان الحوار بعقل مفتوح ساعد مرة جديدة على اكتشاف "ما يدهش العالم". فقبل أربعة أعوام وبعد حوار هادئ بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني الحر" خرج عون ليقول انه اكتشف ان مساحة الاتفاق في وجهات النظر بين الطرفين تصل الى نسبة 95 في المئة وخصوصاً في المسائل الاصلاحية ومحاربة الفساد.
كان الأمر يومها بمثابة "ما يدهش العالم"، لكن ليس واضحاً، لماذا ضاع هذا الاكتشاف وسادت لغة الخصام والاتهام كل هذه المدة. ثم عدنا بعد حرب "داحس والغبراء" لنكتشف من جديد "اننا متفاهمون". وهو فعلاً "ما يدهش اللبنانيين قبل العالم المدهوش بأشياء أخرى عندنا، غير اكتشافات "التيار الوطني الحر" التي قد تضيع غداً، لنعود الى ما نحن فيه من المراوحة في الازمة الحكومية، التي يدفع البعض في اتجاه جعلها أزمة نظام لا بل ازمة وطن وكيان.




❒ ❒ ❒
نعم. ما يدهش العالم في لبنان، ليس السياسة بل الاقتصاد والمناعة الاقتصادية المتنامية فيه، رغم كل التنكيل والتعطيل والمآسي التي ضربت وتضرب البلاد بسبب الانقسامات السياسية والخلافات الحادة والاعتصامات الخانقة واستعمال لغة النار بدلاً من لغة الحوار.
فقبل أيام صدر تقرير صندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد العالمي وتوقعاته للنمو في العام المقبل، وجاء فيه ان لبنان يحقق نمواً بمعدل 7 في المئة وهو ثاني أفضل معدل للنمو في المنطقة بعد قطر!
قد يكون مفيداً إيراد بعض ما جاء في التقرير، الذي لم يتوقف السياسيون عند أهميته ومدلولاته، ليس تعميماً للفائدة فحسب، بل احراجاً لمقاولي التعطيل ومتعهدي التأزيم ودفعاً  لهم ربما، الى التعرّف حياءً وخجلاً. يقول التقرير: "ان اداء لبنان من افضل الاداءات في المنطقة، اذ ينتظر ان يبلغ النمو فيه 7 في المئة، مقابل 1,5 في المئة فقط في ايران، وانكماش بنسبة 0,9 في المئة في السعودية، ومن المتوقع ايضاً ان يحقق الاقتصاد القطري اكبر نسبة نمو في المنطقة في عام 2009 بـ11,5 في المئة. اما الكويت فتوقع الصندوق ان تسجل اسوأ اداء في المنطقة بانكماش ناتجها المحلي بـ1,5 في المئة. بذلك يكون من المقدر للبنان ان يحقق ثاني افضل معدل للنمو في المنطقة بعد قطر.
وإن لبنان ما زال يبرهن على مقاومة كبيرة للأزمة المالية العالمية بفضل تحسن الظروف الأمنية التي سمحت بانتعاش النشاط الاقتصادي وخصوصاً في قطاعي السياحة والخدمات المالية".
في قطر غاز ونفط. فماذا عندنا في لبنان غير دخان الدواليب المحروقة؟ وفي قطر هدوء وأمن وحياة مستقرة. وماذا عندنا من الهدوء والأمن والاستقرار، غير المناكفات والتهديدات والضغائن؟

❒ ❒ ❒
وماذا يعني هذا؟
يعني ان لبنان أحسن من بعض سياسييه. وان الساهرين على الاقتصاد فيه نجحوا وينجحون، في حين فشل الكثيرون من سياسييه ويفشلون إلاّ في صنع المآسي والاضرار إن لم نقل الكوارث.
وعندما يذهب حاكم البنك المركزي رياض سلامة ليقرع جرس البورصة في نيويورك وتصفق له اسواق الأسهم في ردهة الاقتصادات العملاقة، ولا يتنبه الكثيرون في هذا البلد السعيد الى ضرورة رشقه ولو بباقة من الامتنان، على سياسته النقدية الواعية، التي حمت المصارف وسط اسوأ ازمة عالمية، وشكراً أيها الحاكم الفذ، فإن لبنان الاقتصادي يكون وسيبقى متقدماً جداً على لبنان السياسي.
ما يدهش العالم أيها "الأكارم ان بلداً تعلكه الأزمات ويعوقه التعطيل استطاع ان يحقق نسبة نمو اكثر من الدول المنتجة للنفط في حين لا ينتج بعض "قادته" إلا الحرائق والدخان!