تذكر يا… حسني أنك عدو – الفضل شلق – السفير

ليس في الثقافة شيء ثابت إلاّ التحوّل. أبى وزير الثقافة المصري فاروق حسني إلاّ أن يكون ثابتاً في الثقافة. استطاع الثبات في مصر. حاول الانتقال إلى اليونسكو لتثبيت الأمر عينه. فشل في ذلك على الرغم من الوعود الإسرائيلية وغيرها. ثوابت إسرائيل غير ما كان يعتقد. على الرغم من الاتفاقات التاريخية في كامب دايفيد، وما بعدها، ما زالت إسرائيل تصنّفه عدواً. كانت وما تزال تعتبره عدوّاً في الثقافة، والأهم من ذلك في السياسة، وفي غيرها. ولم يكن مهماً بالنسبة إليها ما يعتقده هو أو ما يمثّل، أو لا يمثّل، ولا ما كان يسعى إلى تمثيله.

الثبات في الثقافات مفهوم ملغوم وموجه ضد الشعوب المغلوبة. منذ أن بزغت الامبريالية استعانت بالثقافات لتأبيد غلبتها. نظر الغالبون إلى المغلوبين بوصفهم يستحقون أن يُغلبوا، ويتوجب عليهم الخضوع لأن الثقافات التي ينتمون إليها لا تسمح لهم بأكثر من ذلك. تحوّلت العلاقة بين الغالب والمغلوب من علاقة سياسية ـ عسكرية إلى علاقة ثقافية، علاقة بين ثقافة الغالب وثقافة المغلوب، وجُعلت كل منهما بمثابة طبيعة ثابتة؛ وافترض أن من الطبيعي، بل الحتمي، أن يحرز الغالب غلبته وأن يحرز المغلوب خضوعه. حوِّلت الحضارات والثقافات إلى جواهر ثابتة، وحولت العلاقة بينها إلى موازين قوى ثابتة. صنّفت الحضارات حسب مراتب في سلّم التقدّم والرقي. الأكثر تقدّماً هو من ينتصر، ومن طبيعته أن ينتصر. طبائع الأمم والشعوب جواهر ثابتة لا تتغيّر، وبالتالي فإن عوامل الغلبة لا تتغيّر. من خضع يبقى خاضعاً، وعليه الالتزام بذلك التزامه بقوانين الطبيعة.




تبدو فكرة ثبات الثقافات بريئة وجذابة. هي قبل كل شيء مريحة. ينتمي المرء إلى ثقافة ما، وهي ثابتة ذات خصائص محددة. مع الانتماء يتأكّد الولاء للثقافة والبراءة مما عداها. ليس أسهل من تحويل الصفات الثابتة للثقافة إلى شكليات وطقوس يتقيّد بها المرء ويأخذ على أساسها الولاء والبراءة.

بهذه الاعتبارات تنغلق الثقافات على نفسها؛ وإذا كان الانغلاق مشكلة، فإنه يتم اللجوء إلى أوهام الحوار بين الثقافات وما يسمى الاعتراف بالآخر.
يتولّد الآخر، المغاير، المناقض؛ ثم يُعترف به على أن يُعتبر الاعتراف انجازاً إنسانياً. وحقيقة الأمر أنه مع انغلاق الثقافات يغيب الحوار الإنساني، بالأحرى يصير الحوار الإنساني خرافة، فالثقافات لا تتحاور ولا تتصارع. هي ملامح لجماعات بشرية تتطور على المدى الطويل ويتم اكتشافها على المدى الطويل. ما يتصارع، أو يتحاور، هو الدول، هو الكيانات السياسية التي تستطيع اخذ القرارات وتعبئة الناس وتحشيد الموارد وتسيير الجيوش وممارسة الدبلوماسية، الخ… المواجهات بين الجماعات البشرية هي دائماً سياسية، أو هي دائماً تبدأ بالسياسة وتستخدم الثقافات بحقائقها وأوهامها، لخدمة توجهاتها.
مع تثبيت الثقافة تُحدّد في إطارها حركة الأفراد وتفكيرهم وسلوكهم. هم يجرّدون من إراداتهم ومن نواياهم ومن قابلياتهم للتجاوز ومن قدراتهم على ذلك. يتحولون إلى أدوات للثقافة؛ هي تحرّكهم، وهم لا يحركونها؛ هي ما يفرض أو يفترض سلوك الأفراد. هكذا تتحول الثقافة من نتيجة إلى سبب، من منتَج (بفتح التاء) إلى منتِج (بكسر التاء) للناس.

مع تصوّر كهذا للثقافة، يُتاح المجال لتنامي العنصرية حيث يسود التوهم بأن مسؤولية الفعل ليست إرادة الفرد بل إرادة الجماعة؛ ليس الفرد هو من يقرر سلوكياته وأفعاله بل تقررها له الثقافة: هو مولود كي يفعل كذا وكذا؛ الجينات الثقافية هي صاحبة القرار. في العنصرية تنتج المسؤولية الفردية عن إرادة جماعية. هذا ما يشكل رؤية إسرائيل لمن عداها.
إن الفصل بين الثقافات، فصلاً حاداً، وجعل بعضها عدوا (وهذا ما يشكّل جوهر مبدأ صراع الحضارات، أو حوارها) هو ما برعت به إسرائيل. هي دولة أنشأتها الثقافة؛ وهي تزعم أن حدود كيانها السياسي تتطابق مع الثقافة. تزعم إسرائيل أيضاً أن أمنها يساوي وجودها، فهي تضطر نفسها إلى اعتبار كل عمل امني يقوم به فرد «معاد» لها تتحمله الجماعة التي ينتمي إليها. أنشأت إسرائيل نفسها على أساس مبدأ صراع، أو عداء، الثقافات، ثم استخدمت ذلك في السياسة لتجعل من كل نقد سياسي لها عداء ثقافياً. إن تهمة العداء للسامية جاهزة ليوصم بها كل من ينتقدها، ولو سياسياً؛ حتى ولو كان المنتقد يهودياً. وإذا كان يهودياً يسمونه كاره نفسه. الثقافة والسياسة والأمن أوجه متعددة لما تعتبره إسرائيل وجودها؛ فهي حملت العدوان الامبريالي على بقية العالم إلى نهاياته المنطقية والإيديولوجية.
لدى إسرائيل توليفة إيديولوجية، ثقافية سياسية، متكاملة. هي تشمل الحاضر والماضي والمستقبل. تتبناها وتستخدم جميع الوسائل لتأكيدها والعمل بمقتضاها. تشمل هذه التوليفة الوسائل العسكرية وشن الحروب، لكنها ترتكز أساساً على مبدأ الثقافة وصراع الحضارات. لا تقوم دولة إسرائيل إلا على اصطناع الأعداء؛ عدوها كل من خالف روايتها عن نفسها وعن العالم.

لم يجد علماء الآثار الإسرائيليون في باطن ارض فلسطين ما يؤيد وجهة نظرهم، لكنهم أصروا على روايتهم للتاريخ. دخلت الأقطار العربية، افرادياً وجماعياً، في سلسلة متتالية من التنازلات والاستسلامات التي لم تترك من الحقوق العربية والفلسطينية ما يعتد به. لكن إسرائيل ما زالت تعتبر نفسها في خطر، خطر دائم على وجودها. هذا عن الماضي والحاضر. أما عن المستقبل فهناك النوايا المبيّتة في الثقافة، أو الثقافات، التي تعتبرها إسرائيل معادية، أو حتى مغايرة لها. تستبطن الثقافة العربية، بالنسبة لإسرائيل، نيات وأفعالاً مبيتة؛ لذلك لا بدّ من حروب استباقية. لم يخترع بوش الابن والمحافظون الجدد إلا ما اعتُبر ضرورة إيديولوجية للوجود الإسرائيلي. ليس الخطر فيما حدث أو يحدث، بل فيما يمكن أن يحدث نتيجة للثقافة التي تقرر سلفاً السلوك والتصرف. لذلك وجبت إعادة تشكيل المنطقة العربية في شرق أوسط جديد كبير خال من عروبة العرب.
لست ادري كيف يصنف فاروق حسني نفسه. صنفته إسرائيل. صنفته لا على أساس الكيفية التي يرى بها نفسه، بل على أساس ما تعتبره إسرائيل ثقافة مجمدة في قالب محدد ثابت يستغرق كل أفرادها.

ربما حاول فاروق حسني تجاوز ثقافته، وهذا حق مشروع، لا لشيء إلا لان الثقافة تَشَكّل تاريخي يتغير باستمرار ويتجاوز نفسه باستمرار وتواصل دائم. كل ثقافة لا تتجاوز نفسها تفقد قابلية الحياة. لا تعترف إسرائيل بحق التاريخ أن يكون تاريخاً. لذلك لم تعترف بحق فاروق حسني في التجاوز. رأته منذ البداية عدواً، ولا تريده غير ذلك. لا تريده غير ما هو عليه، ولا تريد أن تكون الثقافة العربية غير ما هي عليه.