الاستشارات الممدّدة تحضّر للحريري البيان الوزاري ولا تؤلّف له الحكومة – نقولا ناصيف – الأخبار


قبل تكليفه الأول في 27 حزيران، سئلت أوساط وثيقة الصلة برئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري هل يسعها الإجابة عن سؤالين، أحدهما مدى قبوله بتكليفه ترؤس حكومة جديدة قبل التأكد من أن هذا التكليف لن يجرجره شهرين، ثم يحمله على الاعتذار عن عدم التأليف، والآخر استعداده لزيارة سوريا. عن السؤال الأول، كان جواب تلك الأوساط وجود قرار إقليمي سعودي ـــــ سوري خصوصاً بتسهيل تأليف الحكومة اللبنانية يعبّر عنه تفاهم البلدين. وعن السؤال الثاني، كان الجواب أن الحريري يذهب إلى دمشق إذا اقتضت المصلحة الوطنية بذلك. في ما بعد قال الرئيس المكلف إنه يذهب إليها بعد تأليف الحكومة.

خلاصة استنتاج السائل بعد الاعتذار الأول، أن الحريري لم يكن يتوقّع صعوبات تعترض مهمته، إما لأنه أخطأ التقدير أو أن التفاهم الذي رجّحه سقط في منتصف الطريق بين دمشق والرياض، بعدما ألغيت زيارة كان العاهل السعودي الملك عبد الله يعتزم القيام بها للعاصمة السورية. وما دامت تجري في الوقت الحاضر ترتيبات زيارته المتوقعة لدمشق مطلع الأسبوع المقبل، فإنها توحي بعودة التفاهم بين العاصمتين، ولكن من غير أن يعبّر عن مؤشرات علنية مباشرة.
هكذا بات تأليف الحكومة عالقاً بين غموض إقليمي غير مفهوم، وشروط محلية معروفة للملأ يتبادل الطرفان المحليان رفضها.
تفضي هذه المراجعة على أبواب انتهاء جولات الاستشارات النيابية في التكليف الثاني للحريري إلى ملاحظات، منها:




1 ـــــ استعداد الرئيس المكلف لوضع تصوّر أوّلي بالحكومة الجديدة حيث انتهى في الاعتذار الأول، عند حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5. ومع أنه حاذر أمس القول بحكومة وحدة وطنية، بل لم يأت منذ تكليفه الثاني في 16 أيلول على ذكرها، أبدلها بحكومة وفاق وطني لن تكون مواصفاتها إلا صورة مطابقة لحكومة الوحدة الوطنية، ما دام رئيس الجمهورية لن يوقّع إلا حكومة يريد لها هذه المواصفات. وما يبدو قاطعاً في أوساط وثيقة الصلة بالحريري، أن الخيار الآخر من حكومة الوحدة الوطنية، ليس بالتأكيد حكومة الغالبية النيابية التي لن تبصر النور تحت وطأة أي خيارات أو عراقيل، مغزى ذلك أن البديل من حكومة الوحدة الوطنية هو لا حكومة على الإطلاق.

2 ـــــ يرمي تمسّك المعارضة بمعادلة 15+10+5 إلى تأكيد إصرارها على الثلث +1 وإن مستتراً من ضمن هذه المعادلة، بعدما قرّرت أن لا ترتكب مجدّداً خطأها الفادح في حكومة 2005 عندما استقال الوزراء الشيعة في 11 تشرين الثاني 2006، فآلت السلطة برمتها إلى وزراء الغالبية. ولا تعني هذه المعادلة في واقع الأمر إلا تقويض نتائج انتخابات 7 حزيران، رغم حصول الغالبية على النصف +1 مستتراً بدوره. وفي توازن نصابي الثلث +1 والنصف +1 تكمن أهمية التسوية التي ينطوي عليها تأليف حكومة الوحدة الوطنية.
كان الجدل على هذه المسألة طيلة شهري التكليف الأول إلى أن ثُبّتت المعادلة في الأسبوع الخامس. على أن التكليف الثاني خلافاً لما أوحت به أيامه الأولى، لم يتجاوز هذين النصابين ولا تنصّل منهما، فإذا بالحريري، بعد سلسلة مواقف متقلبة، ينتهي على أبواب تأليف الحكومة عند ما كان قد اتفق عليه في الأشهر الثلاثة الماضية: ما تفاهم عليه مع المعارضة لا يزال سارياً، وما اختلف عليه وإياها لا يزال سارياً كذلك.

3 ـــــ مع أن بعض الأوساط المحيطة برئيس الجمهورية تتحدّث عن اقتراحات لتذليل عقبة حقيبة الاتصالات من غير أن تؤول إلى الوزير جبران باسيل، ولا إلى تيار المستقبل، كحلّ وسط لا رابح فيه ولا خاسر بين الحريري ومعارضيه، ومن هذه الاقتراحات تسمية المعارضة وزيراً لها لهذه الحقيبة سوى باسيل، فإن العماد ميشال عون يجعل الاتفاق على حقيبة الاتصالات لتياره من خلال باسيل جوهر النزاع برمته. والمطّلعون عن قرب على موقفه يسمعون منه أنه لن يتنازل عن أي من شروطه لمشاركته ـــــ والمعارضة ـــــ في حكومة الوحدة الوطنية: أولها خمسة مقاعد مارونية، أحدها فقط قابل للمقايضة بحقيبة وزارية مهمة سوى الاتصالات، وثانيها مقايضة وحيدة ممكنة لهذه ليست بحقيبة الداخلية بل بوزارة المال بالذات. وثالثها أنه هو مَن يسمّي وزراءه. وما عدا ذلك من حصيلة الاستشارات، اعتقاد عون بأنها حضّرت للحريري بياناً وزارياً لحكومة لن تولد بلا شروطه.
4 ـــــ ليس الرئيس المكلف ولا الغالبية في وارد التخلي عن وزارة المال، مهما يكن التهديد الذي يستهدف التكليف الثاني، نظراً إلى أنها حقيبة تمثّل الفيتو الأقوى بين ما عداها من الحقائب الوزارية داخل السلطة الإجرائية. وأكثر من سواها، تمثّل في ذاتها سلطة قادرة على تعطيل الحكم من خلال تعطيل الإدارات إذا عمد وزير المال إلى حجب توقيعه. وفي ظلّ نزاع سياسي حاد بين الموالاة والمعارضة، وإن اجتمعا تحت سقف حكومة وحدة وطنية، يصبح الإمساك بحقيبة المال، في نظر الغالبية، موازياً للإمساك بالثلث +1. كلاهما يملك قدرة تعطيل حادة. هي من داخل الإدارة، وهو بحؤوله دون التئام مجلس الوزراء.

بذلك لا يعدو التساهل بها إلا كونه أقرب إلى انتحار سياسي بوضع الثلث +1 وحقيبة المال في يد المعارضة. كانت مصدر قوة الرئيس رفيق الحريري في حكوماته الخمس في مجلس الوزراء، وحيال خصومه في الرئاسة والبرلمان عندما ناطها حيناً به، وأحياناً وكالة بالوزير فؤاد السنيورة، وكانت كذلك في الحكومة الأولى للسنيورة عندما ناطها بالوزير جهاد أزعور، وفي الحكومة الثانية بالوزير محمد شطح.