وراء كلّ نائب حلاق سابق أو حنان – غسان سعود – الأخبار

وراء النائب فريق عمل أو مسؤول المكتب. وعلى هذا المسؤول يتوقف غالباً مصير النائب، فإما يبرع في وظائفه ويوفّر باسم النائب الخدمات للناس ويهيئ له إطلالات إعلامية ويعزز اطّلاعه سياسياً، وإما يفشل فيفقد ناخبو سعادته ثقتهم به، وينساه الإعلام

بعد تجربة فاشلة في صالون حلاقة بدأ «رجالياً» قبل أن ينتقل إلى «الولّادي»، وتجربة أكثر فشلاً في مطعم قرب جامعة الحكمة كان زبائنه يطلبون سندويشات شاورما فتصل إليهم فاهيتا، وبعد مشاكل قضائية نتيجة اتهامه بتصوير كتب وبيعها خلافاً للقانون، وصل هذا الرجل إلى المجلس النيابي وصار له مكتب محترم بصفته مسؤول مكتب أحد نواب بعبدا. وهو «وجد نفسه»، أخيراً، وزملاؤه كافة يشهدون له بمهنيته في متابعة أعمال النائب وبذله جهداً كبيراً لتبييض وجهه أمام «الأستاذ» ووجه الأستاذ أمام ناخبيه. ويستعين حضرته أيضاً بحلاق سابق هو الآخر، للاهتمام بالأمور الإعلامية، علماً بأن النائب الذي يوظفهما لا يبدو كثير الاهتمام بشعره.
هذه القصة ليست أجمل ما في مكاتب مجلس النواب على صعيد مسؤولي المكاتب. ففي مكتب النائب خالد زهرمان، هناك اليوم صبية جرّب شعرها كل ألوان الصبغة في العالم. اسمها حنان الملا. بدأت مسيرتها السياسية قبل نحو 4 سنوات حين تأثرت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، فقررت ابنة السبعة عشر عاماً الانتقال من متابعة الأمور الفنية إلى السياسة، وهكذا تركت مجلة الجرس حيث كانت تعمل وطرقت باب النائب السابق مصطفى علوش الذي رحّب بالضيفة الطارئة على عالم السياسة، وكلفها فور إنهائها الامتحانات المدرسية الرسمية مساعدته في شؤون مكتبه. لكن حنان لم تكتف، فاستفادت من الوظيفة الجديدة لتتواصل مع الإعلاميين وتبدأ علاقات جديدة تهدف إلى إجراء المقابلات لعلوش في موازاة نجاحها بإعداد المؤتمرات الصحافية للطبيب الطرابلسي. وبعدما لاحظ زملاء علوش صعوده الإعلامي بدأوا يسعون إلى التعاون مع حنان، وفاز النائب هادي حبيش سريعاً بموافقتها على التعاون لقاء أجر محترم، ثم انضم النائب السابق مصطفى هاشم إلى حبيش في الاستفادة من قدرات حنان. وبعد الانتخابات الأخيرة، اقترح حبيش إنشاء أمانة سر لكتلة نواب عكار التي تجتمع دورياً، واختيرت حنان أمينة سر للكتلة ومستشارة إعلامية في الوقت نفسه. وهي اليوم تعدّ لاجتماع كتلة نواب عكار وفق آخر التطورات السياسية والإنمائية، وتتصل بالنواب للاتفاق على البنود. ولاحقاً، تنظّم محضر الاجتماع وتعدّ الملفات وتطلب المواعيد للنواب، وتعدّ البيان الأسبوعي للكتلة، فيضع هؤلاء بعض الروتوش عليه قبل نشره. إضافة إلى ذلك، تنظم حنان المقابلات مع الإعلاميين، وتبقى على تواصل معهم، ولا تتردد في التدخل خلال مقابلات بعض النواب لتصويب الحديث، مع العلم بأن الإعداد لمقابلة مباشرة لأحد النواب يستغرق منها في بعض المرات أكثر من يومين فتجمع أبرز مواقف الضيف الآخر وتجهز كل الملفات التي ستتناولها الحلقة ليكون النائب مستعداً للمفاجآت ومبادراً. حنان التي بلغت منذ بضعة أيام الواحدة والعشرين، يعوقها عملها قليلاً في متابعة دروسها الجامعية (سنة ثانية علوم سياسية)، تقول إن نجاح النائب يتعلق باستعداده وسرعة بديهته. وهي ترى أن أهم إنجازاتها يكمن في تعريفها النواب بمعنى الصحافة، وكيف يتعاملون مع الصحافي وأيّ معلومة تمرر وأيّ معلومة لا تمرر.
هذان، حنان والحلاق السابق، ضيفان جديدان في عالم النواب، سبقهما إلى موقعهما أشخاص باتوا أشبه بحجارة الزاوية في حياة النواب. أشخاص يردّون على هواتفهم الخلوية، يقصدهم الناس واثقين من أنهم لن يخذلوهم وأنهم غالباً ما يخدمون أكثر من النواب أنفسهم، والأهم يعطون الناس الوقت الكافي ليرووا قصصهم كلها، علماً بأن التعرف إلى هؤلاء يظهر أن المتفوقين بينهم يشبهون النواب الذين يوظّفونهم.
فنديم أبو جودة، مسؤول مكتب النائب ميشال المر، يوفق بذكاء بين السياسي والخدماتي، حاله من حال المر. وقد بدأ أبو جودة حياته السياسية مع إيلي حبيقة، قبل أن يصبح الأقرب إلى المر، وينقل نفوسه من الشوف إلى بلدة ضهور الشوير المتنية، ويبدأ رفع الصعاب عن ظهر أبو الياس. فهو، من جهة، رجل الخدمات الأول في العمارة، ويكاد مكتبه هناك لا يفرغ طوال النهار من المتنيين الذين يحتاجون إلى مساعدة المر. ويؤكد أصدقاؤه أن هاتفه يرن مرتين في الدقيقة. ومن جهة أخرى، يعدّ أبو جودة صلة الوصل بين أبو الياس والمجالس البلدية في المتن. ويتردد في هذا السياق أن من يريد إغضاب المر، عليه إغضاب أبو جودة، ومن يطمح إلى إرضاء المر، فعليه إرضاء أبو جودة، علماً بأن ثمة كثراً يخاصمون المر لكنهم يواظبون على زيارة العمارة للقاء أبو جودة.




أما سيبوه ميخجيان، مسؤول مكتب النائب ميشال فرعون، فهو متفرغ بنسبة كبيرة لتلبية الخدمات للأشرفيين. وهو يعمل مع فرعون منذ عام 1995، ويمسك بكل الأمور الخدماتية في المكتب، إضافة إلى ملف العلاقة مع القوى والفاعليات الأرمنية (ملف مؤثر جداً في الدائرة الانتخابية لفرعون). وهو يستقبل يومياً في جناحه الخاص في مكتب فرعون أكثر من 60 شخصاً، ويستمع إليهم، محاولاً الاستفادة من شبكة التوظيف التي أنشأها لمساعدتهم. ويقول أحد مخاتير الأشرفية إن ميخجيان نجح في تحقيق تطلعات فرعون وفي إنشاء شبكة أمان خدماتية لفرعون ظهرت فوائدها في الانتخابات النيابية الأخيرة. وكان لافتاً عشية هذه الانتخابات ترشيح فرعون لميخجيان قبل أن يطلب منه لاحقاً، بضغط من النائب سعد الحريري، الانسحاب.

ويبدو هاني عماد، مسؤول مكتب النائب غسان مخيبر، نموذجاً صغيراً عن مخيبر، فهو محامٍ شاب يواظب مثل مخيبر على تفحص القوانين والقراءة بين السطور، والأرشفة والتوثيق. ويتجنب عماد النقاش السياسي الحاد بعدما ابتعد قليلاً عن التيار الوطني الحر الذي كان ينشط في صفوفه، ليحاول اليوم قول ما يؤمن به، على طريقة مخيبر، من دون قيود حزبية.
يقصدهم الناس واثقين من أنهم مستعدون أكثر من النواب لسماع رواياتهم

في نموذج آخر، يفضل بعض النواب إبقاء الأمر في مكاتبهم لأقربائهم، فالنائب خالد ضاهر مثلاً يوزع المهمات على أشقائه الذين ينوبون عنه في كثير من المهمات. أما شقيق نائب جبيل، عباس الهاشم، علي، فيكاد يكون مسؤولاً عن مكتبه، إذ يتولى متابعة شؤون المواطنين. وبدوره، يوسف خليل يكلف ابن شقيقته. فيما يتبين أن ابنة مسؤول مكتب النائب السابق موريس زوين هي اليوم المسؤولة عن مكتب النائبة جيلبرت زوين. وعلى ذمّة أحد الكسروانيين فإنها تمثل النائبة زوين في المناسبات الاجتماعية، تحل محلها في الاجتماعات، وتنوب عنها في اللقاءات مع الوزراء والمديرين العامين لتلبية حاجات الكسروانيين. وفي البقاع الغربي، تسمع قصة تشبه قصة الكسروانيين عن زوين، فابن مدير تعاونية الجيش في عهد قائد الجيش إسكندر غانم هو اليوم مسؤول مكتب النائب روبير غانم.

في هذا الوقت، يتبين في مكاتب المجلس أن المعيار الحزبي هو الأساس في اختيار مسؤولي مكاتب النواب عند حزب الله وبعض نواب حركة أمل وحركة اليسار الديموقراطي، إذ يقول راشد قاسم (الصورة)، مدير مكتب النائب أمين وهبي، إنه كان مع «الرفيق» في الحزب الشيوعي، وخرج معه من الحزب، وحين ترشح إلى الانتخابات ساعده في الحملة الانتخابية، ومع وصول وهبي إلى المجلس وصل قاسم أيضاً. وهبي أخذ المكتب الكبير وقاسم سكن المكتب الصغير.

تبقى ملاحظتان: بعض النواب مثل حكمت ديب وهادي حبيش وسيمون أبي رميا وقاسم هاشم، بغضّ النظر عن وجود مسؤول مكتب لديهم أو لا، يبذلون جهداً كبيراً في العمل المباشر مع الناس، ويخصصون نحو 4 ساعات يومياً ليلبوا بأنفسهم حاجات ناخبيهم. فيما يفهم نواب آخرون مهمات مساعديهم خطأً، فيدفعون 400 دولار لمن يفترض أنه مسؤول مكتب، ثم يحوّلونه إلى سكرتير، ويطلبون منه مشاهدة مقابلاتهم التلفزيونية وتفريغها قبل اختياره أفضل ما في كلامه ليرسله إلى وسائل الإعلام ويطمئنّ إلى نشر الخبر.

يبقى أن بعض حرس المجلس ومرافقي النواب يفتقدون سكرتيرة النائب إميل رحمة الفائقة الأناقة التي ما كادت تملأ فراغ مكاتب المجلس بصخب كعبها العالي، حتى استغنى رحمة عن خدماتها.