“نعــــاج” في محطــــة البــــاروك ؟! – راجح الخوري – النهار

ماذا يفعل فؤاد السنيورة في هذه الايام؟
يصرّف الاعمال؟
عظيم، ولكن ماذا يضيره لو قام بتصريف الاوهام المتناقضة، وكشف البطولات المزعومة والاضاءة على النيات الحسنة او السيئة في مسألة وضعت في التداول العام، ولكن في اطار من الغموض والتناقضات والألغاز، مع انها يفترض، إن صحّت، أن تطيح الحكومات وترسل المسؤولين عنها الى السجون، وربما الى ما هو اكثر من السجون!
الناس في لبنان ليسوا من النعاج ولا هم من الماعز الهائم في النسيان والفوضى، لكن الدولة في بعض "عناوينها" ومسؤوليها، وأنعم وأكرم، تعاملهم على هذا النحو ودائماً من منطلق الافتراض انهم حقل اختبار لتعميق الانقسامات وساحة مفتوحة للتراشق بالاتهامات بين القوى السياسية المتصارعة.

❑ ❑ ❑
وماذا يفعل الرئيس ميشال سليمان في هذه الأيام ايضاً؟
يحاول تزييت المفاصل العالقة وحلحلة الصدأ الذي يعيق تشكيل الحكومة؟ يدأب على تقديم خطاب وطني عاقل وجامع ولا من يسمع؟ يستقل الطائرة في سلسلة من الزيارات الخارجية، تذكّر العالم بأن "العصفورية المتذابحة" هنا انما هي وطن يدعى لبنان من غير شر؟
عظيم جداً. ولكن ما الذي يمنعه حتى الآن من ان يضرب يده على الطاولة، مطالباً باحترام مقام الرئاسة وقيادة الجيش وعقول الناس، عبر المطالبة بجلاء فوري للحقيقة الكاملة وراء تلك المسألة التي طرحت كفضيحة كبرى تهدد الأمن اللبناني وتضع الدولة في أعلى مراكزها وأدق مواقعها تحت مجهر العدو  الاسرائيلي كما قيل؟!
ما هي تلك المسألة؟
انها قضية التخابر غير الشرعي في منطقة الباروك، التي طرحها الوزير جبران باسيل على انها انجاز وبطولة، سارعت اوساط سياسية واعلامية في المعارضة الى تسييسها وإلباسها الى الوزير مروان حماده. ولكن سرعان ما تبين من خلال تحقيق ميداني اجرته صحيفة "الاخبار"، ان في الأمر افتئاتاً رخيصاً ومحاولات بغيضة لتشويه صورة حماده، لأن الترخيص لهذه المحطة صدر أيام الوزير جان لوي قرداحي. وقد اورد ذلك التحقيق الصحافي المستفيض اسماء ابناء مسؤولين كبار وراء هذه المحطة، واثار علامات استفهام وشكوكاً حول علاقة اسرائيل بالمحطة.




❑ ❑ ❑
المثير، لا بل المحير في كل ما قيل ويقال عن اكتشاف "مؤامرة العصر"، ان وزير الاتصالات ومصادر الوزارة وضعوا في التداول المعلومات التي تقول ان هذه المحطة التي قد تخفي وراءها اصابع تدخل اسرائيلي عبر الصحن اللاقط الموجه من الباروك الى الجنوب، كانت تزود القصر الجمهوري ووزارة الدفاع ومواقع اخرى في لبنان خدمة "الانترنت"، وان تقنيات عالية وخطيرة كانت موجودة في اجهزة المحطة بما يسمح لاسرائيل بان تطلع على كل ما يدور في القصر الجمهوري ووزارة الدفاع.
المثير اكثر من كل هذا، الجدال الناشب بين وزير الاتصالات ووزير العدل ابرهيم نجار الذي كرر مراراً ان اجهزة القضاء لم تتسلم من وزارة الاتصالات اي افادة عن المحطة قبل 18 آب، في حين تقول الوزارة المذكورة انها سلمت الملف الى الاجهزة القضائية في أيار الماضي!
ثم ان الملف الذي سلم الى القضاء ليس فيه اي قرائن ملموسة او ادلة حسيّة على "التدخل الاسرائيلي" او "المؤامرة الخفية".
والأنكى من كل ذلك ان وزارة الاتصالات التي وضعت يدها على هذه "المؤامرة"، اقدمت على تفكيك المحطة منذ أيار الماضي ونقلتها الى مخازنها، من دون ان تعلم الاجهزة الامنية والقضائية المختصة، وحتى من دون ان تعلن عن هذا "الاكتشاف العظيم"!

❑ ❑ ❑
الآن بعد أكثر من شهرين على انفجار فضيحة محطة الباروك، تغرق البلاد في الالتباس والحيرة والضياع:
❑ اولاً: هل هناك مؤامرة تتصل بالعدو الاسرائيلي، ام ان الأمر مجرد صحن لاقط موجه الى اليونيفيل في الجنوب كما قيل؟
❑ ثانياً: من الذي اعطى الترخيص لهذه المحطة التي كانت تأكل من مال الدولة؟
❑ ثالثاً: من هم الابناء النافذون الذين يقفون وراء المحطة كما تردد؟
❑ رابعاً: لماذا لم تكشف وزارة الاتصالات قصة تفكيك المحطة الا بعد كلام الوزير الجريء سليمان فرنجيه في برنامج "كلام الناس"؟
❑ خامساً: كيف يمكن استمرار هذا الغموض المحير في قضية حساسة من هذا النوع، ولكأن اللبنانيين والرأي العام مجرد قطيع من الاغنام لا يحق له معرفة الحقيقة؟
❑ سادساً: اذا كان المناسب شكر الوزير الياس المر لأنه دعا مديرية الاستخبارات الى التشدد والاسراع في التحقيق لجلاء الحقيقة، فان من الضروري اطلاع الناس على كل التفاصيل، لأن من حق الرأي العام معرفة كل القصة، ولماذا اثيرت بهذا الشكل وغرقت في هذه التعمية؟
❑ سابعاً: ما الذي يمنع فؤاد السنيورة بعد جلاء التحقيق الذي يفترض ان ينتهي في أقل من اسبوع، من ان يتوسط جبران باسيل وابرهيم نجار والياس المر في مؤتمر صحافي يشرح فيه للرأي العام ما جرى ولماذا؟
ام انكم في هذه القضية وفي عشرات لا بل مئات القضايا الاخرى تحسبون الناس نعاجاً في محطة الباروك لا يحق لها المعرفة؟!