دمشق بين “المحكمتين”! – أسعد حيدر – المستقبل

لبنان متضرر من الخلافات العربية. ليس هذا الضرر جديداً ولا طارئاً عليه. لبنان كان دائماً "ساحة" لتصفية الحسابات العربية وأحياناً الاقليمية والدولية. من حسن حظ لبنان في هذه المرحلة. ان الحسابات المفتوحة مضبوطة. تكفي ساحة العراق حالياً. عبر هذه الساحة يمكن توجيه عدة "رسائل" في رسالة واحدة ووقت واحد. تضارب ردود الفعل بين القوى الموجودة، العراقية منها والخارجية، تؤكد حجم العقد المتشكلة. التضارب الذي يعمل لاستيلاد أوضاع مختلفة وبما يتناسب مع أهداف كل طرف وقوة على حدة.
تفجيرات الأربعاء الدامي في بغداد، أكبر دليل على ما يجري في العراق. التضارب في تصريحات المسؤولين العراقيين خير اثبات على ذلك. رئيس الوزراء نوري المالكي في واد، ونائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي في وادٍ آخر. وهوشيار زيباري وزير الخارجية، في واد أبعد من الطرفين.
النوادي المقفلة
المالكي اتهم دمشق علناً بأنها وراء التفجيرات. عادل عبد المهدي أكد "أن العراق أرهقته الصراعات" مطالباً بعدم التصعيد ضد سوريا. هوشيار زيباري وزير الخارجية رأى أن تصريحات نائب الرئيس "غير مسؤولة"، من يصدق المواطن العراقي؟ من الصعب الاجابة. حاله مثل حال اللبناني في عزّ الحرب الأهلية. قدره أن يعدّ الضحايا والجرحى والخسائر. أما الباقي فإن لتسويته حسابات أخرى في أمكنة مغلقة مثل "النوادي" المحدودة الأعضاء والمفتوحة على كل المهمات والحسابات.
هذا الخلط في المواقف العراقية انما يجري على خلفية الاستعدادات للانتخابات المقبلة. نتائج هذه الانتخابات مهمة جداً في صياغة الخارطة السياسية الجديدة التي ستسلّم السلطة مع الانسحاب الأميركي العسكري عام 2011. المالكي يشعر بأزمة حقيقية بعد تشكل الائتلاف الجديد وهو خارجه. لذلك يتحرك معتمداً على ملفات قديمة يملكها، لكن من الصعب الذهاب فيها الى النهاية، لأن لقوى أخرى وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية حسابات أكبر بكثير من موقع المالكي في السلطة رغم انها تفضله قوياً فيها، تحت شعار أنه "قيادة وطنية عراقية" وليس قيادة مذهبية.
رغم ذلك فإن واشنطن لا تلعب ""لعبة" المالكي ضد دمشق، علماً انها لو جاءت قبل سنة لكان الأمر اختلف.
مطالبة واشنطن دمشق وبغداد "اعتماد لغة الحوار والحل الديبلوماسي"، يقيّد "هجوم" المالكي. واشنطن لم تعد تخشى من القول "انها بحاجة الى دمشق لمساعدتها في ضبط الحدود العراقية ـ السورية". باختصار واشنطن بحاجة الى التعاون الأمني السوري. ودمشق الأقدر على تسويق وبيع "دورها" و"قبض ثمنه" فوراً في العراق وغيره.
لكن واشنطن، وهي تعمل من أجل "الحوار" بين دمشق وبغداد، "ليست مأزومة" من اتهامات المالكي وحتى مطالبته الأمين العام للأمم المتحدة "تشكيل محكمة دولية" لمحاكمة "قتلة الشعب العراقي" في مجزرة "الأربعاء الأسود". دمشق المأزومة رغم تشديدها على نفي أي علاقة لها بالمحكمة الدولية المتعلقة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، ستجد نفسها في "ورطة" أكبر مع المطالبة بتشكيل محكمة دولية. فكيف اذا مرت الاجراءات وتشكلت ولو بعد حين.
باق عشرون يوماً
واشنطن يمكنها استثمار وقوع دمشق في قلب "حجرَي رحى" يستنزفان على الأقل جهودها ويعطلان حركتها، في وقت تحتاج فيه الى كل قواها لاستنزاف واشنطن في المفاوضات للحصول على مطالبها.
دمشق تريد وتعمل على أن تكون "المحكمة الدولية" المتعلقة بلبنان "محكمة بلا محاكمة" ومن الطبيعي اذاً ان تعمل على منع انشاء محكمة ثانية في العراق. في هذه المرحلة دمشق مضطرة "لتحسين سلوكها" أمام الآخرين خصوصاً تجاه واشنطن، التي تراقبها وتدرس تفاصيل حركتها. الخارجية الأميركية أكدت ذلك بطريقة "ديبلوماسية" اذ وهي تؤشر الى "الدور المزعوم" لدمشق في تفجيرات بغداد، أشارت الى انها "تحقق في الحادث بالتعاون مع بغداد لمنع تكراره". وفي الوقت نفسه تتهم "القاعدة" بتنفيذ العملية وليس "البعثيين" كما أشار المالكي.
تبرئة واشنطن للبعثيين، تعود الى انها في طور دراسة الخارطة السياسية القائمة بكاملها استعداداً لصياغة الخارطة المقبلة التي ستسمح لها بالانسحاب العسكري مع ضمانات بأن عراقاً جديداً يقوم على قاعدة "الشراكة" بين طوائفه وقواه السياسية المختلفة. العراق سقط قبل الغزو الأميركي، عندما هيمنت قوة واحدة على الآخرين. قدر المجتمعات المركّبة ان يكون الوفاق فيها سيد الموقف، وأن لا تفرض فئة معيّنة مهما كانت مقتدرة وقوية مواقفها وأحكامها على الآخرين.
الأزمة السورية العراقية لن تنتهي بين ليلة وضحاها. الوساطات المبذولة خصوصاً من تركيا قد تنتج التهدئة، لكن ليس الحل. لذلك ستبقى دمشق تحت "المجهر" الأميركي، وستبقى مضطرة "لإثبات حسن سلوكها" في الملفات الساخنة سواء في العراق أو لبنان وفلسطين.
أيضاً هذا الدور لدمشق سيزداد صعوبة، كلما مالت طهران نحو الاعتدال خارجياً. كل خطوة ايرانية باتجاه الجلوس الى طاولة الحوار والمفاوضات مع الأميركيين، تكشف مساحة مرئية لجناح دمشق المحمي منها، إما بفعل تلقي الصدمات أو بفعل تقديم العون لها في العراق ولبنان. الأيام العشرون القادمة تتطلب التعامل مع كل ثانية منها بحذر شديد. على وقع المواقف والتطورات يجب صياغة المواقف المتحركة.
استمرار الأزمة الحالية في لبنان، ليس مجرد فراغ اعتاد اللبنانيون التعايش مع مثله. خطورة الوضع في توقيتها. الفراغ الحالي يأتي في وقتٍ المنطقة كلها تغلي، والسباق مفتوح بين مختلف القوى العربية والاقليمية على التواجد وإثبات قوتها منفردة أو مع حلفائها.
يبقى، ماذا ينفع المعطلين ان يربحوا حتى القدس، ويخسروا ومعهم كل اللبنانيين، لبنان وبيروت؟!