“النداء العاشر” مشروع مصالحة وطنية – ادمون صعب – النهار

"إن الخطاب الداخلي عن السيادة خدم إقامة متحد اجتماعي سياسي، واوحى احيانا عقودا اجتماعية، بينما الخطاب عن السيادة الخارجية قد اوجد تحالفات واحيانا تخليا عن السيادة".
برنار عبادي
(مفكر فرنسي)

خيّب مجلس المطارنة الموارنة آمال كثيرين في ان يأتي نداؤه العاشر بمثابة رد على العلامة السيد محمد حسين فضل الله الذي انتقد مقولة "مجد لبنان اعطي له"، اي للبطاركة الموارنة عموما وللبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير خصوصاً وهو الذي لم يوفر فرصة الا وانتقد فيها تفرد الشيعة ممثلة بـ"حزب الله" في قراري الحرب والسلم، واحتفاظه بالسلاح بطريقة غير شرعية بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب في 24 ايار بفعل بطولات المقاومين وتضحيات الشهداء. كذلك كانت للبطريرك والمطارنة الموارنة مواقف شديدة القسوة حيال "حزب الله" و"المقاومة الاسلامية" بعد حرب تموز (في "النداء السابع"، ايلول 2006). ولم تتوقف انتقادات البطريرك صفير للحزب منذ ذلك التاريخ، وكان اعنفها الموقف الذي اتخذه عشية الانتخابات في 6 حزيران الماضي عندما حذّر من انتخاب مرشحي المعارضة، وفي مقدمهم "حزب الله" بحجة ان توجههم يعرّض الكيان للخطر وكذلك عروبة لبنان. ورد عليه آنذاك المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ثم نائب رئيسه الشيخ عبد الامير قبلان.
وكاد رد فضل الله على صفير ان يثير ازمة بين الطائفتين الشيعية والمارونية، اذ كان شياطين الفتنة لدى "يهود الداخل" متربصين بالطائفتين منذ 7 ايار 2008 يوم نزلت الفتنة المسلحة الى الشارع وكاد لبنان ان يغرق في بحر من الدماء الشيعية والسنية والدرزية.
إلا ان العقل لدى الطرفين، العلامة فضل الله والبطريرك، تغلّب على النزوات والعصبيات.
كذلك خيب المطارنة الاكثريين الذين صوب اللواء الركن المتقاعد جميل السيد سهامه في اتجاههم في مؤتمره الصحافي، ولم يوفّر القضاة البارزين والمسؤولين الكبار، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية، فأحجموا عن الردّ عليه.
إلا ان المطارنة الذين قادوا في "النداء الأول" في ايلول 2000 "حرب التحرير" السياسية للبنان من "الاحتلال السوري" الذي استمر قرابة ثلاثة عقود وحرم اللبنانيين  فرص حكم انفسهم بأنفسهم وأخضعهم لنظام ديكتاتوري شارك فيه "متعاونون" لبنانيون قدموا مصالحهم الخاصة على مصلحة بلدهم – قد أدركوا أن ما يعانيه بلدهم حالياً هو نتيجة انقساماتهم وتبعيتهم لمرجعيات خارجية سياسية وطائفية ومذهبية إقليمية ودولية، وقد أدى ذلك إلى "افراغ البلاد من قواها الحية". وهذا لعمري ما يقضّ مضاجع احبار الكنيسة الذين شهدوا تقلّص شعبهم منذ الطائف وتراجع مشاركته في الجهد الوطني بفعل التناقص السكاني (من 60 في المئة من السكان في ستينات القرن الماضي، الى ما دون الـ35 هذه الايام). معبّرين عن هذا الهم ومتساءلين: "كيف سيواجهون الاخطار المحدقة بلبنان من كل صوب (…) وسيضعون حداً للهجرة التي تفرغ البلاد من عناصرها الحية ما دامت تتحكم بهم اصطفافات محاور إقليمية أو دولية، وإنتماءات طائفية ضيّقة تجعل كل طائفة تنطوي على ذاتها وكأنها تتوهّم أن في استطاعتها أن تشكل وطناً لذاتها بمعزل عن الآخرين".
واستنتج المطارنة الأجلاّء بأسف شديد أنه "اذا ظل الصراع القاتل بين الطامعين في جنة الحكم مستمراً، فقد يُفاجأ اللبنانيون يوماً بإقصائهم جميعاً عنه. وإذا وسوست شياطين الطمع للطامعين بوضع يدهم عليه، ولا ينفع ساعتئذ الندم، وأشاحت الدول الكبرى بنظرها عنه بحثاً عن مصالحها الخاصة". وكأننا بالسادة المطارنة يقولون إن الشياطين ينتظرون هذه الساعة وهم على الأبواب، في الجنوب والشمال والشرق، ولم يعد يجدي تخويف اللبنانيين من أن سوريا عائدة وأن إسرائيل تتربص باللبنانيين متحينة الفرصة للانقضاض على المقاومة وإخضاع لبنان لسلطانها والاستيلاء على مياهه، وربما وضع اليد على أحواض الغاز التي تقول معلومات بوجودها تحت البحر في المياه الاقليمية المشتركة بين لبنان وفلسطين!
وثمة من رأى في النداء صيغة مسيحية تصالحية مع الفريق الذي فتح باب الخصام معه في "النداء السابع" الذي وجد فيه الشيعة ظلماً لهم، وكذلك للمقاومة التي حرر شهداؤها أرض الجنوب الطاهرة.





فقد سعى الذين أعدّوا هذا النداء – وكنا أشرنا آنذاك الى أنه لم يكتب في الكنيسة، ولا الخط كان خطها – الى التركيز على "التفرّد في القرار" انطلاقاً من "تفرّد" المقاومة الاسلامية ممثلة بـ"حزب الله" بقرار الحرب على إسرائيل في تموز 2006 بخطفها جنديين اسرائيليين من داخل "الخط الأزرق".
ورأى النداء الذي صدر في 6 ايلول 2006 "ان هناك جماعات تتفرد بالقرارفتأخذ البلاد الى حيث لا تريد. وهنا الطامة الكبرى"، ملاحظا انه "كلما تفردت جماعة  طائفية بموقف له عواقبه على البلاد جرّت الوبال عليها".
وليبرر الهجوم على المقاومة الشيعية، استشهد النداء بثلاث حالات تفردت فيها جماعات طائفية في لبنان بالقرار.
الحالة الاولى مسيحية وتحديدا مارونية "عام 1958 يوم تفرد بعض الجماعات (بقيادة الرئيس كميل شمعون) بالقرارات الوطنية بتأييد جماعة حلف بغداد ومشروع ايزنهاور، مما أدى الى الانفجار الاول".
الحالة الثانية إسلامية سنّية، يوم "اتخذت جماعة لبنانية "موقفا اعتبرت معه المنظمات الفلسطينية جيشا لها وأباحت للكفاح الفلسطيني أرض لبنان على حساب سيادة الوطن، فكان الانفجار الثاني".
الحالة الثالثة إسلامية شيعية، يوم "انفردت جماعة لبنانية باستمرار حمل السلاح بعد تحرير معظم الجنوب عام 2000 وذلك خلافا لأحكام اتفاق الطائف المنعقد عام 1989 وتحولت تنظيما دينيا وعسكريا وسياسيا، فكانت الحرب في 12 تموز 2006 ، وفي كل الحالات المذكورة كانت هناك دول، إما كبرى أو اقليمية، تتدخل في الشأن اللبناني وتشد أزر هذه او تلك من الطوائف (…) وقد دفع الوطن من أمنه وازدهاره وراحة أبنائه ثمن تفرد هذه الطائفة أو تلك الفئة من اللبنانيين بالقرار، فيما القرار يعود الى الدولة وحدها التي تمثل جميع اللبنانيين".
وقد أغضب هذا الكلام الطائفة الشيعية بأكملها واعتبرت نفسها مستهدفة من طائفة أخرى شريكة في الوطن لم تقدّر تضحيات الشهداء الذين خضبت دماؤهم تراب الوطن الذي هو ملك للمسلمين والمسيحيين على السواء. وكان مفترضا في الكنيسة ان تتقدم لتعزية ذويهم وبلسمة جروحهم بدل التغطية على التعامل مع اسرائيل التي قتلت بأسلحتها الفتاكة أكثر من 1300 لبناني وهدمت أكثر من 15 الف وحدة سكنية، في "حرب التفرد" التي تحدث عنها النداء.
كيف جرت التغطية؟
لقد جاء النص الاصلي للنداء متوازنا إذ أدرج 4 حالات. وورد في الاستهلال: "كلما تفردت جماعة طائفية بموقف له عواقبه على البلد، جرّت الوبال عليه. والامثلة كثيرة وقد تكررت على الاقل أربع مرات في مدى نصف قرن في هذه الاعوام الاخيرة". ولدى عرض الحالات تبين ان فريقاً من المسيحيين تفرد في حلف بغداد، ثم في تعامل مع اسرائيل،  وشارك في الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982. فاستهول المطارنة الامر، وجرى شطب الحالة الاسرائيلية المتكررة، دون الانتباه الى أن الاستهلال أشار الى أربع حالات لا الى ثلاث.
وذلك ثمة من وجد في النداء العاشر إحياء للعلاقة المسيحية – الشيعية التي نسجها خلال الاحداث الإمام موسى الصدر الذي صادفت هذا الاسبوع ذكرى تغييبه، وكذلك إحياء للعلاقة التي اقامها مع المسيحيين الإمام الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
وكان الصدر رائد الحوار وصاحب عقيدة ان لبنان وطن نهائي لكل اللبنانيين، طالبا العدالة لجميع اللبنانيين الذين يجب أن يتحاوروا لا أن يتقاتلوا، وهو القائل: "عندما نلتقي في الله تكون الاديان واحدة. وخدمة الانسان هي الطريق الى الله، وان القاسم المشترك بين المسيحية والاسلام هو الانسان الذي هو هدف الوجود وبداية المجتمع والغاية منه والمحرك للتاريخ". وكان يقول ان التغيير المنشود في لبنان يجب ان يكون وطنيا لا طائفيا "والهدف يجب ان يكون واضحا أمامنا وهو وحدة الشعب اللبناني"، مشددا على انه يريد أن "نكون مواطنين في وطن لا مواطنين في طوائف".


 وكان الصدر كشف المؤامرة الاسرائيلية على لبنان، "داعيا الى وحدة وطنية "يتقدم فيها ما هو مشترك بين اللبنانيين على ما عداه، والأولوية يجب أن تعطى لهذا المشترك"، محذرا من "الفتنة الطائفية التي تؤدي الى التفكك والتفتت والانهيار الداخلي".
وقدم نفسه خادما للشعب وللمظلومين والمحرومين، وقال في مهرجان بعلبك في 17/3/1974 في أربعين الإمام الحسين: "يشرفني ان أكون في عداد خدام المجاهدين".
أما الإمام شمس الدين الذي حمل لواء تثبيت نهائية الوطن اللبناني، فكان يقول: "ان موقف العقل المسيحي كما تمثله رموزه والكنيسة يقول بالوطن النهائي. وهناك حالات مسلمة تقول ايضا بهذه المقولة، ومهما يكن فان الجدل هو جدل كياني وليس جدلا سياسيا حول طبيعة التكوين (…) لبنان وطن نهائي، لي قبور في لبنان ترقى الى الف سنة (…) ونحن ليس لنا قبور خارج لبنان. قبورنا هنا وغيرنا مثلنا (…)".
لذلك كان من غير الطبيعي وغير المنطقي ان يكون هناك خصام بين الموارنة والشيعة، بل بين الكنيسة واي طرف آخر في الصيغة، من هنا كانت دعوة المطارنة تصالحية حتى مع سوريا، دعوة  الى "أن نرص الصفوف ونشبك الايدي لننهض ببلدنا من كبوته ونستأنف إعماره، اقتداء بمن سبقنا على أرضه من آباء وأجداد، ونوثق عرى التعاون والصداقة مع جيراننا، وبخاصة مع أقربهم الينا لنخرج مما نتخبط فيه، ونبني معا ما تهدم عندنا وتداعى من صروح إلفة ومحبة".
ولقد كان التجاوب مع هذا النداء سريعا إذ بادر نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الشيخ عبد الامير قبلان الى القول إن "لا عداوة بين المسلمين الشيعة والبطريركية المارونية ولا مقاطعة مع البطريرك صفير (…)".
حمى الله لبنان… من اللبنانيين!