«النداء العاشر»: هل يصمد أمام «عظات الأحد»؟ – عماد مرمل – السفير

خلافا للكثير من مواقف البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير وعظاته، شكل النداء السنوي العاشر لمجلس المطارنة الموارنة خبرا سارا للمعارضة المسيحية التي وجدت أن النداء قد عبّر في العديد من مفاصله عن تطلعاتها وهواجسها، بعدما جرى اتهامها خلال الحملة الانتخابية قبل 7 حزيران بـ«الهلوسة» السياسية وبتهديد هوية الكيان.
ولولا أن نداء المطارنة الموارنة يحمل توقيعهم لكان يمكن نسب النص السياسي الصادر عنهم إلى أدبيات المعارضة التي ما انفكت تحذر من خطر إبرام صفقة لتوطين الفلسطينيين، سيكون لبنان من أولى ضحاياها، في حين يعتبر فريق آخر قريب من بكركي أن الآمر لا يعدو كونه فزاعة تُستخدم من التيار الوطني الحر والمعارضة للتهويل والابتزاز.
وإذا كان من البديهيات، بالنسبة إلى المعارضة، تحميل العدو الإسرائيلي مسؤولية الدفع في اتجاه التوطين لمنع أي عودة محتملة للفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة، إلا أن بيانات المطارنة ومواقف البطريرك كانت تخلو باستمرار، وفي معظم المناسبات، من أي إشارة إلى إسرائيل التي كان يجري تجاهلها أو الاكتفاء بالتلميح إليها، من دون ذكرها بالاسم.
ولكن المطارنة كسروا القاعدة هذه المرة وتخلوا عن غموضهم المقصود، محذرين من أن بروز حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل زاد من وضع العراقيل أمام أي حل عادل للقضية الفلسطينية التي يتأثر بها لبنان كل التأثر، «إذ إن المساعي التي يقوم بعض البلدان بها عادت تطرح بإلحاح قضية توطين الفلسطينيين في البلدان التي يعيشون فيها، وهذا يشكل اكبر خطر على لبنان»


وبموازاة ذلك، بعث المطارنة الموارنة بإشارة إيجابية في اتجاه سوريا عندما دعوا إلى «توثيق عرى الصداقة مع جيراننا، خصوصا أقربهم إلينا، لنخرج مما نتخبط فيه»، وهذا موقف يتلاقى بطبيعة الحال مع منطق المعارضة ووليد جنبلاط أكثر مما ينسجم مع خطاب مسيحيي 14 آذار الذي ما زال يحافظ على تشنجه حيال دمشق.
ولئن كان ما ورد في النداء العاشر هاما، إلا أن الأهم هو ما لم يأت على ذكره، وتحديدا لناحية خلوه من أي كلام عن مقولة «الأكثرية تحكم والأقلية تعارض» والتي رددها البطريرك صفير كثيرا في الفترة الأخيرة، كما انه خلا من تناول مسألة سلاح حزب الله التي اعتادت البيانات الشهرية والسنوية على إثارتها، إضافة إلى أن النداء أوحى بوجوب البحث في تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية حين دعا جميع المسؤولين والأحزاب والقوى السياسية إلى أن يلتفوا حول الرئيس ميشال سليمان للعمل معا بإخلاص على إعادة بناء الدولة على أسس متينة.
ما هي دلالات هذه اللغة المعدّلة والمعتدلة التي استعملها مجلس المطارنة الموارنة؟
تتعدد التفسيرات التي تساق في معرض محاولة فهم خلفيات «النداء العاشر»، ومن بينها أن بعض المطارنة هم الذين أدوا دورا حيويا في صياغته والدفع نحو اعتماده، من دون ان يعني ذلك انه فُرض على البطريرك الماروني. ويرى أصحاب هذا التفسير أن هناك «رأيا آخر» وفاعلا في مجلس المطارنة، يتجنب الانحياز الأعمى إلى مواقف صفير، بل يتمايز عن بعضها على الأقل، والدليل أن لغة النداء العاشر مختلفة في أسلوبها ومضمونها عن الطروحات الأخيرة للبطريرك والتي أثارت اعتراضا شديدا من قبل المعارضة المسيحية.
وبرغم الارتياح الذي ساد أوساط المعارضة المسيحية بعد اطلاعها على نص «النداء العاشر»، إلا أن معظمها فضّل عدم المبالغة في التصفيق له، حتى إشعار آخر، وذلك في انتظار التأكد من ثبات صفير عليه في الآتي من الأيام، لا سيما ان التجارب السابقة لم تكن مشجعة حسب تلك الأوساط





وتربط أوساط المعارضة المسيحية هذا الحذر بـ«تقلبات» صفير المتكررة، كما حصل بعد الإعلان عن ثوابت الكنيسة المارونية في 16ـ12ـ2006 . يومها جاء في الفقرة الثالثة من الإعلان «أن اللبنانيين ارتضوا نظام الديموقراطية التوافقية التي كرسها الدستور، حفاظا على جميع مقومات المجتمع اللبناني التعددي وإفساحا في المجال لها جميعا أمام أن تشارك مشاركة متوازنة في الحياة الوطنية والقرارات المصيرية وفي إدارة شؤون الوطن وبناء مشروع الدولة». ولكن البطريرك بدّل رأيه لاحقا وأصبح من أشد المتحمسين لمعادلة «الأكثرية تحكم والأقلية تعارض».
وتستشهد الأوساط بمثال آخر يبرر ـ من وجهة نظرها ـ الحاجة إلى اختبار مدى استعداد البطريرك للالتزام الفعلي بمقتضيات النداء العاشر. والمثال مستمد من الصفحة 197ـ الجزء الأول من كتاب «السادس والسبعون» الذي يسرد مذكرات البطريرك، فقد ورد في هذه الصفحة محضر اجتماع عقد في أواخر التسعينات بين الرئيس رفيق الحريري وصفير الذي خاطب ضيفه بالقول: «دولة الرئيس، أغلبية التيارات السياسية لم تشارك في الحكومة، والثلث المعطل ليس مؤمّنا، وهو منصوص عليه بوضوح في وثيقة الوفاق الوطني، في معرض الحديث عن صلاحيات مجلس الوزراء..»، إلا أن البطريرك تخلى في ما بعد عن دعم الثلث المعطل.
وفي اعتقاد هذه الأوساط انه يجب التوقف عن إخضاع ثوابت الحضور المسيحي الفاعل في لبنان إلى التجارب المستمرة، ولا بد من حمايتها وإبعادها عن التجاذبات السياسية الظرفية، لأنها لا تحتمل الأخذ والرد، داعية إلى الإقرار بأن العماد ميشال عون أصاب في توصيفه لمصالح المسيحيين الإستراتيجية والحيوية وفي تشخيصه للمخاطر المحدقة بها وكيفية مواجهتها، وقد جاء نداء المطارنة الموارنة متناغما معه في هذا الإطار
ويبدو أن هذا التناغم يأتي متزامنا مع اتصالات ونقاشات تجري بعيدا عن الأضواء بين الكنيسة المارونية والتيار الوطني الحر، وتفيد المعلومات انه تم تفعيلها مؤخرا، ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تطورات إيجابية على صعيد العلاقة الثنائية بين الجانبين، حسب المصادر التي تواكب عملية إعادة ترميمها
ومع ذلك، هناك في المعارضة المسيحية من يفضل انتظار عظات الأحد في الأسابيع القليلة المقبلة، حتى يُبنى على الشيء مقتضاه