السلطة الخامسة للمصارف في ترشيد التمويل والاستثمار – حـسـن ســعـد

مع تنامي قوة القطاع المصرفي بما يقارب أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وخاصة بعد أن نأى بنفسه عن ارتدادات الأزمة المالية العالمية بفضل حُسن الأداء والإدارة والتنظيم، إضافة إلى النجاح الملموس في فصل السياسة عن العمل المصرفي

لا يجب أن يشعر اللبنانيون بأنهم في الجانب "الآمن" مالياً، لناحية أن معظم الدين العام هو للمصارف اللبنانية، فطالما أن الدولة مقصرة بل عاجزة عن أداء دورها الاقتصادي المكبّل بعجز الموازنة، فإن استمرار المصارف في تمويل الدولة، من دون ترشيد، ولو بالحد الأدنى، ما زال ينعكس سلباً على البلد، وسيطال المصارف نفسها لاحقاً

كانت الحجة، وما زالت، أن "الواجب الوطني" يدعو المصارف إلى عدم التخلي عن الدولة، مع أن هذا "الواجب" لا يعني بالضرورة استمرار تمويلها (بالدَين) بعد أن ثبت أنه لم يُنتج، حتى اليوم، سوى الإغراق في زيادة العجز ورفع مستوى الهدر "المقونن"، بسبب الضعف السياسي والاقتصادي للدولة من ناحية، واتكالها "المضمون" على القدرة التمويلية للمصارف من ناحية أخرى

وما لا يحتاج إلى كبير عناء في فهمه لبنانياً، هو أنه طالما هناك تمويل يفرضه "الواجب الوطني"، فهناك إنفاق تفرضه "التوازنات الطائفية"، ومن دون نقاش، وإلا حلت اللعنات على كل من يُسائل أو يُدقق

إلا إذا تجرأت المصارف على قلب المعادلة، واتبعت سياسة "ترشيد التمويل" لتفعيل سياسة ترشيد الإنفاق من قبل الحكومة؟ إذ لا ترشيد في الإنفاق من دون ضبط في التمويل؟
ثم ماذا لو فرضت المصارف أسلوب التمويل المباشر للمشاريع المنتجة لصالح الدولة والاقتصاد العام؟ أليست هذه هي السياسة التمويلية التي يتعامل بها المجتمع الدولي وصناديق التمويل مع لبنان، بعد أن اكتشفوا "علتنا" وفرضوا رقابتهم لمعرفة "أين وكيف"؟

فكيف إذا كان تمويل المصارف اللبنانية للدولة ومشاريعها، تمويلاً استثمارياً يعود عليها بالربح، وعلى الدولة ومواطنيها بالنفع، ويوقف النزيف والعجز معاً

عملياً وواقعياً، القطاع المصرفي هو (السلطة الخامسة)، إذا أراد، وهو "أوكسجين لبنان المالي – الاقتصادي"، و"الواجب الوطني" يدعوه إلى إتخاذ قرار جريء يعمم فيه الأوكسجين التمويلي – الاستثماري على كل لبنان، دولة وشعباً، في مجالات المياه "نفط لبنان" والكهرباء "عصب الحياة الاجتماعية والاقتصادية" والمعلوماتية والإدارة "لاستعادة الأدمغة اللبنانية المهاجرة"، هذا على سبيل المثال، وليس حصره في تمويل من وما يرفع العجز المالي، بل تفضيله عن الانتشار الاستثماري الخارج

وإلا، فما هو معنى ومفهوم "الواجب الوطني" إذا كانت هموم الوطن والدولة والمواطن في تزايد مستمر …، أو أننا أصبحنا بحاجة إلى ترشيد مفهوم الواجب على أنواعه، حيث هنا تتوقف الأحلام الوطنية؟