ماذا تحدّث الأسد وعبد الله عن لبنان وأزمة الحكومة؟ – نقولا ناصيف – الأخبار

وفق معلومات تتداولها دمشق عن الاجتماع الذي عقده الرئيس السوري بشّار الأسد مع العاهل السعودي الملك عبد الله في جدّة، في 23 أيلول، والنتائج التي انتهى إليها، من المبكّر توقّع تأليف حكومة الوحدة الوطنية في مدى قريب، رغم الآمال التي علقها سياسيو الموالاة والمعارضة في آن معاً عليها كمصدر لانفراج الأزمة الحكومية. وبدا ممّا رشح عن تلك المعلومات أن ثمّة فصلاً ظاهراً بين الداخلي من هذه الأزمة والخارجي على نحو لا يستعجل التأليف، ولا يقلّل أهمية العراقيل المحلية إذا تشبّث الطرفان بشروطهما.
بيد أن ما قاله الداخل عن اجتماع جدّة حُمّل أكثر ممّا كان ينبغي أن يُحمّل.

تتحدّث المعلومات المتداولة في العاصمة السورية عن الآتي:
1ـــــ تصف دمشق زيارة الأسد لجدّة بأنها «طبيعية في ظرف استثنائي». لا أكثر من ذلك ولا أقل. زيارة طبيعية لأن الرئيس السوري يشارك في الغالب في مناسبات تتخذ طابعاً مماثلاً لافتتاح جامعة الملك عبد الله. وسبق أن حضر قمّة الاتحاد من أجل المتوسط في باريس في 12 تموز 2008. وتبدو مشاركة كهذه أكثر طبيعية في ظلّ علاقات طبيعية بدورها بين رئيسي دولتين قرّرا طيّ مرحلة كان خلافهما فيها على أحد الملفات يجعلهما يختلفان على كل شيء تقريباً، وهو ما حصل في خلافهما الحاد على لبنان بين عامي 2005 و2008.
عشر دقائق فقط أُعطيت للبنان من ساعتين في حوار الرجلين




2ـــــ لم تُبلغ سوريا السعودية بعد تلقيها دعوة رسمية إلى افتتاح جامعة الملك عبد الله، أن رئيسها لن يشارك فيه، وخصوصاً أن الاتصال بين البلدين مفتوح باستمرار عبر القنوات الدبلوماسية. إلا أن الالتباس نشأ من خبر كانت قد أوردته وسائل إعلام تركية لم تكن حكومة أنقرة على علاقة به، أو على علم به حتى، مفاده أن الأسد لن يذهب إلى جدّة إذا لم يُصر إلى ترتيب اجتماع رباعي أو خماسي يضمّ إليه والملك السعودي الرئيسين التركي والمصري. بدورها دمشق فوجئت بخبر عدّته غير صحيح، ووصفته بأنه محاولة للتشويش على زيارة كان الأسد قد قرّر تلبية دعوتها.
3ـــــ استغرق اجتماع الملك والرئيس ساعتين، حاز لبنان منهما عشر دقائق فقط تمحورت حول الآتي:
ـــــ طالب الأسد بإعطاء اللبنانيين الفسحة والوقت اللازمين لإنجاز تفاهمهما الداخلي والاتفاق على حكومتهم بلا ضغوط خارجية،
ـــــ أوضح أن سوريا بذلت جهوداً لإقناع المعارضة بخفض سقفها إلى ما دون تأليف حكومة وحدة وطنية ومعادلة 15+10+5، بعدما كان هذا السقف أكثر علواً من جراء إصرار هذا الفريق على الحصول على الثلث +1 كاملاً وصراحة.
ـــــ بعدما سأل ماذا يمكن أن تفعل دمشق أكثر، أوحى بأنه بات يعوّل على دور يقتضي أن تضطلع به الرياض الآن حيال الموالاة والرئيس المكلّف سعد الحريري لتسهيل تأليف الحكومة، وخصوصاً أن المملكة، منذ اتفقت مع دمشق في الحوار الذي أجرياه على ثلاث دفعات في أواخر حزيران وأوائل تموز الماضيين على صيغة حكومة وحدة وطنية مقرونة بمعادلة 15+10=5، لم تبذل جهداً كافياً لاستكمال تأليف الحكومة.
وبحسب تقويم دمشق، لم تستدع الرياض الحريري، ولا أعطت إشارة واضحة إلى استعجال التأليف، وجارت العرقلة الأميركية له.
مع ذلك، لا يفوت العاصمة السورية التأكيد أنها اجتازت والأميركيين مرحلة الاختبار المتبادل للنيّات، وأصبح كل من الطرفين يلمّ تماماً بما لدى الآخر من مطالب وما يريده، وبات عليهما ملاءمة خياراتهما ـــــ المتعارضة في بعض الجوانب ـــــ في تسوية مناسبة.
حمل ذلك الرئيس السوري على القول للموفد الأميركي الخاص إلى المنطقة جورج ميتشل في آخر اجتماع بينهما: «هل أصبحت الصورة واضحة وكاملة الآن لديك»، وهي إشارة إلى أن دمشق تتمسّك بوجهة نظرها، ولا تتقلّب في مواقفها بين زيارة وأخرى للموفد الأميركي بإزاء جهوده لتسوية أزمة المنطقة.

ولأن لا اتفاق جديداً تمّ في جدّة، عاد الرئيس السوري بعد زيارته تلك إلى اللاذقية كي ينضم إلى عائلته ووالدته اللذين يصطافان هناك منذ مطلع الصيف، لم يتوجّه إلى الشام، ولا استدعى أركانه لوضع ما يفترض أنه اتفاق حصل موضع التنفيذ. بذلك تنتظر دمشق مبادرة سعودية تعيد تحريك الوضع اللبناني وتدفع في اتجاه تأليف حكومة الوحدة الوطنية.
4ـــــ بعيداً من ملف لبنان، دخل عبد الله والأسد في صلب اتفاق كانا قد كرّساه منذ مصالحتهما في 19 كانون الثاني في الكويت، وهو فصل العلاقات الثنائية بين البلدين عن الملفات الإقليمية الساخنة، وأخصّها العراق وفلسطين واليمن وإيران والعلاقة مع واشنطن، ولبنان أيضاً. وهي ملفات مطروحة بينهما على الطاولة منذ وقت طويل. والزعيمان السعودي والسوري متفقان على المضي في مسار علاقات ثنائية تبعاً لمستويين:
أولهما عدم تأثر العلاقات الثنائية بعد اليوم، وقد اتخذت مساراً واحداً مستقلاً، بأي خلاف يطرأ على أيّ من الملفات العالقة بينهما.

وثانيهما التفاهم على إدارة خلافهما على هذا الملف أو ذاك، بغية تذليل العقبات، سواء سُوّي، أو استمر الخلاف عليه فتضاعف جهود الحوار، لكن من غير أن يؤثر على تقويمهما للعلاقات الثنائية.

وتبعاً لأهمية الملفات العالقة، لم يكتفِ وزير الإعلام محسن بلال عندما توجّه قبل أيام إلى الرياض بحمل دعوة رسمية من الأسد إلى الملك لزيارة دمشق، بل ناقش مع المسؤولين السعوديين جانباً ممّا كان عبد الله والأسد قد قارباه في اجتماعهما الأخير.