الحريري لم يرتح إلى مواقف سليمان، لكن خيارات التأليف ضاقت أكثر – نقولا ناصيف – الأخبار

تلقّى الرئيس المكلف سعد الحريري بعدم ارتياح المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية، وبدا أنها حملت ردّاً مباشراً على ما كان الحريري يعتبره ثوابت موقفه من تأليف الحكومة، وممّا يحيط بهذا التأليف. وتركز امتعاضه على مواقف ثلاثة أعلنها الرئيس ميشال سليمان: عدم ممانعته توزير خاسرين في الانتخابات النيابية، نفيه تأثيراً سلبياً لسوريا وإيران في جهود تأليف الحكومة الجديدة وتدخّلهما فيها، عدم جدّية الحريري في تشكيلته الحكومية المقترحة التي سلّمها إلى سليمان كأنها وُضعت كي لا تُوقع.
ومع أن البعض المحيط برئيس الجمهورية وجد في مواقفه الأخيرة مخرجاً من المأزق الذي يتخبّط فيه التكليفان الأول والثاني من خلال وضع الحريري ممنوعات نظر إليها على أنها حدّ أقصى لأي تنازل سياسي آخر يقدّمه للمعارضة، وإذا بها قد أوقعت التكليفين تباعاً في الأزمة الحادة نفسها وجمّدت أي محاولة للتأليف. وهكذا أوقع الحريري تكليفه في فخّ شروطه. عند هذا الحدّ يقول البعض المحيط بسليمان إنه قدّم مخرجاً ملائماً لتسهيل التأليف، من غير أن يُرغم الحريري على التنازل للمعارضة، فيصبح التنازل لرئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه أخذ الرئيس على عاتقه إخراج التأليف من أزمته لئلا تراوح مكانها في الأيام الأولى من الشهر الرابع.

ويبدو أن المواقف الأخيرة لسليمان والحريري، ناهيك بجهود موازية على خط دمشق ـــــ الرياض، تتركز على معطيات، منها:




1 ـــــ انطباع لمسه الرئيس اللبناني من اجتماعه بالرئيس الأميركي باراك أوباما في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أوحى فيه أوباما باستبعاد توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، عبر تشديده على الجهود الديبلوماسية والحوار مع طهران لمعالجة أزمة نزاعها مع الغرب على ملف سلاحها النووي. وكانت هذه إشارة صريحة للرئيس اللبناني إلى أن طهران ودمشق ليستا في موقف ضعيف أو مربك في مواجهة التحدّيات الإقليمية، الأمر الذي أوجب عدم إدارة الظهر لهما في لبنان ومجاراة مواقف غلاة الموالاة في حصر تعثّر تأليف الحكومة بتدخّل سوري وإيراني مباشر في الخلاف بين الحريري ومعارضيه، ومن ثم التذرّع بدور سلبي يضطلعان به حيال أزمته الداخلية. ردّ فعل رئيس الجمهورية ان النزاعات الإقليمية تؤثر في الوضع الداخلي اللبناني، إلا أن على اللبنانيين انتشال أزماتهم من هذا التأثير.

كانت الإشارة الأخرى ذهاب الرئيس بشّار الأسد إلى جدّة بغتة في 23 أيلول واجتماعه بالعاهل السعودي، بعدما كان المسؤولون اللبنانيون قد تيقّنوا، استناداً إلى عدد وافر من المعلومات التي توافرت لديهم، من عدم مشاركة الأسد في افتتاح جامعة الملك عبد الله. أوجب ذلك الاعتقاد بأن احتمال غياب الأسد عن احتفال جدّة يبرّر اكتفاء نظيره اللبناني بالذهاب إلى نيويورك.

2 ـــــ أن الخيارات المتاحة عند الرئيس المكلف لتأليف الحكومة الجديدة أضحت ضيقة للغاية. وفي ضوء استطلاع كلّف بعض معاونيه استمزاج ردود الفعل على اعتذاره الأول عن عدم تأليف الحكومة في 10 أيلول، انتهى هؤلاء بخلاصة مفادها أن تكليفاً ثانياً حتمياً يقتضي أن يأخذ في الحسبان الدوافع التي أفضت إلى إخفاق التكليف الأول، تالياً على الحريري أن يبدأ المرحلة الثانية حيث توقفت المرحلة الأولى بكل الجدل والخلافات اللذين رافقاها من جهة، وتوقع عودته إلى تأليف حكومة وحدة وطنية وفق معادلة 15+10+5 من جهة أخرى.
تبعاً لذلك ضاقت الخيارات:
ـــــ إما تأليف حكومة الغالبية النيابية، وقد أضحت هذه مستحيلة بعد الموقف الأخير لرئيس الجمهورية عندما وضع المواصفات التي تحمله على توقيع مرسوم تأليف حكومة وحدة وطنية، ما دام دوره ـــــ كما قال سليمان ـــــ كبيراً في التأليف. بذلك لم يعد التلويح بحكومة الغالبية ينفّر المعارضة فحسب، بل يستفزّ رئيس الجمهورية بالذات، الأمر الذي تتفاداه العلاقة الودّية بين سليمان والحريري واتفاقهما على التعاون في حكومة وحدة وطنية. وبعد غموض رافق موقف الرئيس 20 يوماً، مذ أودعه الرئيس المكلف تشكيلة حكومية مقترحة في 7 أيلول، باتت أي تشكيلة لحكومة وحدة وطنية جديدة يقترح الرئيس المكلف تصوّرها الأوّلي، تتطلّب مطابقة المواصفات التي حدّدها لها رئيس الجمهورية،
ـــــ أو تأليف حكومة لا تكتفي بمواصفات حكومة الوحدة الوطنية، بل ترضي المعارضة كي تبصر النور. والمقصود بذلك توزير جبران باسيل في حقيبة الاتصالات، إلا إذا تخلى الرئيس ميشال عون عن هذا الشرط.

3 ـــــ غياب مفاجئ لرئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط عن واجهة الحدث منذ السبت الماضي، وترجيح سفره إلى باريس للقاء صديقه العماد أول حكمت الشهابي، الذي تنتظر عودته إلى دمشق في الأيام المقبلة. ويعوّل الزعيم الدرزي، الذي يعود إلى بيروت في الساعات المقبلة، على دور للشهابي يساهم في تحريك الجمود الذي يطبق على الأزمة الحكومية، ويفتح أبواباً جديدة على الحوار مع العاصمة السورية.