أول جمهــــوريــــة في الشــــرق – سمير عطاالله – النهار

أصدر الدكتور نقولا فتوش قرارا، او مرسوما، او بيانا، يعزل او يصرف فيه، النائب ايلي ماروني من كتلة "زحلة في القلب" التي يرئسها، خلال وجود الوزير ماروني خارج البلاد، وبصراحة تامة لم افهم الاجراء ولا القرار. فالصارف استاذ في القانون المقارن، وعلى ثقافة عالية في الادب والتاريخ، والمصروف حاز اكثر من 40 الف صوت، فبأي قانون داخلي او تقليد برلماني، يصرف الرجل دون الاستماع اليه، ودون عرض المسألة على الكتلة.

وثمة ما هو اكثر من ذلك. ففيما ابحث في تاريخ زحلة، وهي في الحقيقة قلب في كل قلب، و"دار السلام"، وجدت ان القرار مخالف لتقاليد "اول جمهورية في الشرق" وهي تقاليد قائمة على الشورى، عملا بالقول الكريم "والامر شورى بينكم". والشورى، في جارة الوادي، خلق مطبوع، وممارسة جماعية طوعية، كما يروي الاستاذ هنري ابو خاطر(•)، نقلا، وتشديدا، وتأكيدا، وتسديدا، عن مؤرخ زحلة الاول، عيسى اسكندر المعلوف.




فما الخطب وماذا دهاكم وعلامَ الخلف بينكم علامَ؟ الشائع، والسائد، حتى الآن، انها "عروس لبنان" و"مربض الأسودي"، او الاسود، لكن هنري ابو خاطر يأخذنا الى ابعد من ذلك بكثير، الى ان المدينة التي تأسست في القرن السادس عشر، انما كانت "اول جمهورية في الشرق"، تحارب الاقطاع الذي تقبّله الجبل، وتحارب الامراء اللمعيين فتنسلخ عن لبنان بسببهم وتنضم الى ولاية الشام.

وعندما نقول "اول جمهورية في الشرق"، فلا بد من تحديد هذا الشرق من قبيل التواضع والدقة التاريخية: "فالشرق فسيح يتجاوز حدود الصين. والشرق في مفهومنا هو الشرق العربي وجواره المباشرة. والجوار المباشرة، لا تطل، مثلا، على بلاد الاغريق. فبلاد الاغريق مهد الجمهوريات، واليها قد يرجع الناس في مثالية المفهوم الجمهوري. انما الجوار فسحة تشمل بلاد فارس وتركيا وفيها لا يحدّث التاريخ عن واقع جمهوري".
إذاً، هنا، هنا، او من هنا  من هنا، كما كان يردد سعيد عقل، من ضفاف البردوني واطلالة السهل الوسيع، قامت الديموقراطية الاولى في المنطقة الممتدة ما بين سفح حرمون وبلاد فارس، الاقليم الذي اعطى اسمه لكامل ايران، وبه عرفت اللغة الفارسية ايضا.
"رسوخ الفكرة الديموقراطية عند الزحليين يبسط، مقابلة، نزوع بعض اللبنانيين، في مناطق معينة، الى الاستعذاب لمشيئة الانسان واستعذاب سيطرة العائلة. وقد قيض لنا شخصيا ان نرى اشخاصا يلثمون اليد". يقول ابو خاطر الذي يشير، ليس فقط الى الشورى والديموقراطية، بل الى ليبرالية الجمهورية الاولى في الشرق والى انها كانت مهد العمل النقابي كما سيعرفه اللبنانيون، في عصور لاحقة للزمن الجمهوري الاول. زمن الجمهورية الزحلية.

يستعيد المؤلف شهادات القناصل والرحالة وموفدي فرنسا في القرن التاسع عشر، لكي يؤكد التاريخ الجمهوري للمدينة: "البحث في جمهورية زحلة طرح التساؤل حول نزعة الزحليين الى نظام الجماعة". واذا بجذور هذه النزعة تعود الى ثمود وعرب الجاهلية ونزوعهم الى التمرد! وقد "ورد اسم زحلة الى جانب اسم مكة" مهد الرسالة. ليس الا وليس اقل. ولست ادري ما الذي حمل سعيد عقل من هضاب زحلة الى سواحل المتوسط، ينقب في امجاد فينيقيا ورياداتها، فيما بين يديه، التاريخ المعاصر، زحلي الرونق، فروسي النخوة، عنبي النشوة. وادي العرائش وزينة الكروم.

ولا قرين لديموقراطية الجمهورية الزحلية الاولى سوى عامية الحداد طانيوس شاهين. او كومونة انطلياس، التي ما وازاها في الشهرة سوى الكومونة الام في باريس، والتي ما هي الا "مربط خيلنا"، في اي حال. لكن "جمهورية كسروان"، "لم تعرف الختم" فيما عرفت الجمهورية الاولى في الشرق "الوكلاء والقضاة والمندوبين ومجلس الشيوخ والمحتسبين".
زحلة، جمهورية اولى، او كتلة نيابية يصرف عضوها السابع بقرار تأديبي يشبه قانون الكشافة، رحم الله رشيد شقير، هي في نهاية المطاف صناعة الشعر والادب. وحجمها في الحروب اضعاف حجمها في السلم، كما كان يهزج ظريفها ولماحها نجيب حنكش، الذي كان اول من لحن وغنى جبران، في اعذب وارق ما انشد.

وعلى ذكر "الاختام"، لم يكن ختم شوقي وامارته العظيمة هو فقط ما جعل زحلة قصيدة يغنيها عبد الوهاب ثم تصدح بها ستنا فيروز، فما كان اعذب من امير الشعر العربي الا امير شعر الاغتراب، شفيق المعلوف الذي كتب:
"يا لواد كلنا يعشق كله
نهره من كوثر الفردوس نهله
ربة الشعر على ضفته
تخذت صفاصفة الغور مظله
بلدة هيهات ان نبرحها
ولنا قلب وللتذكار مقله".
هل هوذا "القلب" الذي طرد منه ايلي ماروني، من قبل حامل الاختام وحارس الانعام البرلمانية في زحلة؟ اردنا، ان نبعد جنابكم، على ما كان يقول الراحل العزيز محمد مهدي شمس الدين في ادبياته، ولو قليلا من وجوم السياسة اللبنانية وعتومها وظلمتها وظلم القائمين بها.
وما دمنا قد استمحنا عذركم واثقلنا على سماحكم في هذا الشطط النبيل عن السياسة، فأرجو ان تشاطروني ظنا ادبيا توصلت اليه، وبعض الظن، واحيانا كله، اثم. ففي كتابه "قلب لبنان" يخاطب مولانا امين الريحاني زحلة، قائلا:
"اي زحلة ربة الوادي ومحجة القلوب، زيديني نورا، زيديني صفاء في التحنان وصدقا واخلاصا في البيان". وبعده بعقود وقف نزار قباني يناشد حبيبته هاتفا: "زيديني حبا زيديني، زيديني عشقا زيديني". هل هو توارد في الخواطر الندية؟ لا ندري. فلم يقل نزار يوما انه قرأ الريحاني او تأثر به. وكان يقول انه تأثر بالاخطل الصغير الذي كتب على البردوني، ثم صحح من اجل ان يغنيها عبد الوهاب: جفنه علم الغزل. ومن العلم ما قتل. طبعا في العشق. اما في الحياة، فلا حياة الا في العلم. ومنه القانون المقارن والاصول البرلمانية.