ما المصلحة في إنكار المحرقة؟! – مصطفى علوش – المستقبل

"هذا الكتاب هو تاريخ هرطقة، تشكلت في القراءة الاصطفائية لكلام منزل، بهدف جعل الدين أداة للسياسة، وإضفاء القدسية عليها…" روجيه غارودي عن كتابه "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل".
روجيه غارودي
أو محمد رجاء جارودي

ولد الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في مرسيليا سنة 1913 وكان متفوقاً في كل مراحل دراسته. إعتنق البروتستانتية وانتسب الى الحزب الشيوعي سنة 1933، في سنة 1936 أصبح أستاذاً في الفلسفة وانتخب في البرلمان سنة 1945. حاز دكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون سنة 1953 ودكتوراه العلوم من موسكو. فُصل من الحزب الشيوعي سنة 1970 لكتاباته وأفكاره غير الملتزمة بحرفية التوجيهات الحزبية. بعد دراسات متعددة ومؤلفات عن الإسلام، أعلن إسلامه سنة 1982 ولكنه حافظ على حرية فكره مما دفع الكثيرين الى التشكيك لاحقاً في التزامه الإسلام. من مؤلفاته: الدور الإنساني للحضارة العربية ـ إنذار الى الأحياء ـ حوار بين الحضارات ـ وعود الإسلام ـ القضية الإسرائيلية ـ أسئلة سارتر ـ ماركسية القرن العشرين وعدد آخر من المؤلفات التي ترجمت الى أكثر من عشر لغات. ولكن موضوع بحثنا الآن هو "كتاب الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، وهو كتاب نضالي للكاتب لأنه دفع ثمنه ملاحقة ومحاكمة على أساس قانون فرنسي وضع لعدم مراجعة تاريخ الحرب العالمية الثانية وعدم نقاش نتائج محاكمات نورمبرغ التي حاكمت الزعماء النازيين.




وتأتي هذه المحاكمة على خلفية تشكيك الكاتب بحجم وحقيقة قضية الإبادة الجماعية المفترضة التي نفذها النازيون بحق اليهود أو ما يعرف بالمحرقة (التعبير الرائج للمحرقة هو "هولوكوست" وهو تعبير يوناني يعني الحرق الكامل للقرابين المقدسة وهذا يعني أن الشعب اليهودي كان القربان المقدس الذي تم إحراقه).

في كتاب الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل، دخل غارودي في تحليل علمي حول قيام دولة إسرائيل واعتبر في دراسة توراتية أن الوعد الإلهي بأرض الميعاد ما هو إلا خرافة في الأساس ومن ضمنها خرافة شعب الله المختار، وخرافة وحدانية الإله عند اليهود، وخرافة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" التي بنت عليها صهيونية هرتزل مبدأ استعمار فلسطين، وخرافة العداء بين النازية والصهيونية، وصولاً الى مسألة حرق ستة ملايين من اليهود في السنتين الأخيرتين من الحرب العالمية الثانية. ويؤكد غارودي بطلان نسبة قضية المحرقة الى كتاب هتلر "كفاحي" الذي تحدث فيه عن "الحل النهائي" للمسألة اليهودية. فبالنسبة إلى غارودي فإن هذا الحل الهتلري كان يعني ترحيل اليهود، أو مبدأ الترانسفير، من قلب الكيان الآري لتنقيته (وهي بحد ذاتها جريمة إنسانية كبرى كما يؤكد غارودي) ولكن مسألة مقتل ستة ملايين يهودي خنقاً بالغاز ومن ثم إحراق جثثهم اعتبرها الكاتب غير ممكنة تقنياً، فلا يمكن في الوقت المفترض لعملية الإبادة أن يتم القضاء على العدد المفترض ولم يكن بالإمكان إنشاء محارق بهذا الحجم من دون أن تكتشفها طائرات الحلفاء التي كانت تحلق بشكل شبه دائم فوق الأراضي النازية. كما أنه ينكر وجود أي دلائل حسية لهذه المحرقة وأن ما تم إيجاده في معسكرات الاعتقال من "أوشفيز" وغيره لم تكن إلا أدلة ضعيفة على وجود المحرقة. وقد تمت إدانة غارودي في المحكمة وغرّم 120000 فرنك فرنسي.

يقول الكاتب: "كتابي هذا هو جزء من ثلاثية، أحارب من خلالها ما اعتقد أنه مرض عضال هو الأصولية التي قد تجرنا الى الحروب وتشمل هذه الأصولية الرومانية (المسيحية) والأصولية الإسلامية والأصولية الإسرائيلية. ومن الملاحظ أنني عندما انتقدت الأصولية المسيحية دعيت لحلقات نقاش كاثوليكية وكليات لاهوتية، وعندما قمت بانتقاد جمود بعض المسلمين تلقيت انتقادات أيضاً، ولكن عندما انتقدت إسرائيل استدعوا لي الشرطة، وتم تجريمي، ووضعوني تحت المراقبة".
"أعتقد أن ما أزعج الإسرائيليين هو ثلاثة أسباب جوهرية:
أولاً: أني فضحت التعاون أثناء الحرب العالمية الثانية بين هتلر ومن أصبحوا لاحقاً قادة دولة إسرائيل (إسحق شامير مثلاً وجابوتنسكي قبل الحرب).
ثانياً: فضحت فرقة البيتار اليهودية التي بقيت حتى سنة 1938 وكان لها الحق بلباسها الخاص وأعلامها في أيام النازية.
ثالثاً: مبدأ كشف التزوير اللاحق بالكتابات الأصولية للتوراة والتاريخ ليتلاءم مع دعوة إنشاء إسرائيل".

من المؤكد أن لأي شخص ذي معرفة وذي علم كاف أن يشكك في كل ما يحلو له من حقائق افتراضية، فهذا هو أساس العلم والسبيل الوحيد لتقدم البشرية. فلو قبل الجميع بكل ما عرفوه أو تعلموه أو ورثوه عن آبائهم لكنا بقينا في العصور الحجرية. ومن هنا فإن من حق وواجب روجيه غارودي العالم أن يشكك في حقيقة المحرقة النازية وفي كل المنطق الذي بنت عليه الصهيونية منطق استعمار فلسطين. ولكن في السياسة فأين المصلحة في دفاع أي من المسلمين أو العرب عن النازية الأوروبية، وإنكار الظلم الذي لحق باليهود خلال وجودهم في أوروبا (شهد تاريخ اليهود في أوروبا حملات تعسفية متعددة على مدى قرون عدة).

إن منطق إنكار عذابات الآخرين لم يفد القضية الفلسطينية بشيء، والعكس هو الصحيح. فإن لم يكن من واجبنا المغالاة في إبراز عذابات اليهود على أيدي الأوروبيين فليس علينا أيضاً أن نقوم بإنكار ما اعترف به الغرب في مسألة ما يدعونه "معاداة السامية". بل على العكس، فقد يكون من الواجب التأكيد على المساواة بين الشعوب، والتأكيد على أن الظلم الذي يلحق بالشعب الفلسطيني لا يمكن أن يكون كفارة الغرب على ما صنعه باليهود، وبأن الغرب يدعم إسرائيل اليوم لصنع هولوكوست جديدة بالشعب الفلسطيني.

هذه الرسالة قد تكون مفيدة للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد فهل يسمع أم سيقوم أحد أصحابه هنا باتهامي بالعمالة لإسرائيل؟