ثمن الحكومة واللاحكومة في أزمة مثلثة – رفيق خوري – الأنوار

ليس تكرار التطمين سوى دليل على ثبات القلق اللبناني. فنحن نحتاج يومياً الى تطمينات خارجية بالنسبة الى موقع البلد في اللعبة الكبيرة، مع ان المهمة تقع أولاً على عاتقنا. والتطمينات تهطل علينا من أميركا وفرنسا وسواهما وعلى أعلى المستويات، الى أنه (لا حلول على حساب لبنان). لكن الأزمات وغياب الحلول، على حساب لبنان. والفارق كبير بين وعود مطمئنة لا أحد يعرف مدى التزامها والوفاء بها في عواصم تتغير سياساتها وحساباتها والأولويات وبين واقع ملموس نقاسي منه ونقلق أكثر حيال غد يمكن أن يكون أخطر.
ولا مجال للإنكار، ولا جدوى من الاعتراف. وتلك هي المشكلة. لا مجال للانكار، فنحن في أزمة داخلية (مقلقة) ضمن اطار اقليم مأزوم ومهدد بالمواجهات، وإن كان موعوداً بالحوار والتسويات: أزمة بنيوية في النظام الطائفي، فوقها أزمة حكم على سطحها أزمة حكومية. ولا جدوى من الاعتراف، لأن أزمة النظام خارج البحث عن حلول.

وأزمة الحكم تكبر كلما جرى الحديث عن الحاجة الى تسوية دستورية لها. والأزمة الحكومية التي نحاول حلها تحمل تعقيداتها الخاصة بالاضافة الى عناصر من أزمة النظام وأزمة الحكم قبل الحديث عن الأبعاد الخارجية.
ذلك ان النظام الطائفي وصل الى أعلى مراحل الأزمة. فالتوازن السياسي الذي هو عملياً توازن بين الطوائف لم يعد ممكناً بسبب الاختلال الكبير بين فائض القوة لدى طوائف وفائض الضعف لدى أخرى. والوزن الوطني معلق بأوزان اقليمية ودولية ان لم يصل الى مرحلة الانعدام. أما المخرج المفتوح في الطائف للتحرك الى أمام عبر تجاوز الطائفية السياسية وقيام الدولة المدنية دولة المواطنة، فانه مغلق عملياً في ظلّ الاصطفاف الطائفي والمذهبي محلياً، وسط الاصطفافات المشابهة ورياح الأصولية في المنطقة. وأما المخرج الذي يراد فتحه للسير الى الوراء، فانه الانتقال من النظام الطائفي الخطير الى النظام المذهبي الأخطر.




وهذا الوضع، لا فقط نوعية الشخصيات في السلطة، وسط التدخل الخارجي والرهان أو الارتهان للقوى الخارجية، هو الذي يجعل أزمة الحكم خارج البحث عن تسوية. والممكن هو ما تعثر وبدا صعباً على مدى ثلاثة أشهر، أي التفاهم على تأليف حكومة وحدة وطنية. فما يعرقل التأليف هو ما يجب ان يدفع اليه.

ولا عذر للقيادات اذا كانت العقدة داخلية. ولا عذر لها اذا كانت العقدة خارجية، لأن الحد الأدنى لحفظ الرأس وقت تغيير الدول في منطقة مأزومة هو ان تكون لنا حكومة. ومهما يكن ثمن تأليف الحكومة على أي طرف، فانه يبقى أقل من ثمن اللاحكومة على البلد.