نموذج من… دولة السنيورة – جان عزيز – الأخبار

يوم الجمعة الماضي، وصل إلى وزارة الاتصالات درّاج السرايا الحكومية، مسرعاً. كان يحمل بريداً عاجلاً، يختصره كتاب طارئ من فؤاد السنيورة إلى جبران باسيل.
كثيرة هي الملفات العالقة بين المبنيين الجارين، والمسؤولين المتباعدين، وخصوصاً أن بين الفضائح التي أثارها باسيل أكثر من ملف دسم، يهمّ السنيورة، أو يفترض أن يهمّه، هو اللاهث وراء الفلس، لمصلحة الخزينة العامة.
كان كتاب السنيورة الطارئ يصعد تباعاً نحو مكتب الوزير في الطبقة الثالثة، فيما أفكار المعنيين في الوزارة تذهب إلى افتراض أن يكون السنيورة قد قرر إنهاء جموده وسلبيته وصمته حيال ملفات الهدر المثارة، وبادر إلى التجاوب والتنفيذ. أصلاً، في أدراج مكتبه السلطاني الهائل في السرايا العثمانية، تقبع ملفات أربعة، يكفي كل منها لتغيير الكثير، وإصلاح كبير.

ففي درج السنيورة، ينام منذ 22 أيار الماضي ملف هدر مالي بقيمة نحو مليار دولار. صندوق كامل من الوثائق والوقائع والحقائق، أحالها جبران باسيل في ذلك التاريخ إلى القضاء، وإلى السنيورة. وسجّل سابقة أن يكون أول وزير في الدولة اللبنانية يتقدم بإخبار ضد إدارته، من أجل حضّ أجهزة الرقابة والسلطة القضائية على فتح الموضوع. منذ أكثر من أربعة أشهر ينام الملف عند السنيورة ونجار وميرزا. ومضمونه مليار دولار فقط… قد يكون هو ما يحمله الدرّاج الحكومي إلى مكتب الوزير…




ملف ثانٍ ينام عند الثلاثة أنفسهم، عنوانه التنصّت غير الشرعي وخلافاً للقوانين اللبنانية، وانتهاك حريات الناس وحرماتهم الخاصة. منذ شباط الماضي، دخل الملف سبات السرايا. أكثر من مليون ونصف مليون لبناني أو مقيم على الأراضي اللبنانية سجلت رسائلهم النصية القصيرة من دون علمهم أو إرادتهم، حددت أماكن وجودهم في كل لحظة، رصدت اتصالاتهم الواردة والصادرة، وسرّبت كل معطيات تخابرهم الخاص، إلى جهات حزبية أو غير قانونية… ولا يزال الملف في مغارة السرايا.
ملف ثالث يغفو على يد السنيورة منذ سنة ونيّف، عنوانه قرصنة المخابرات الدولية. كان ذلك في آب 2008، عندما اكتشف جبران باسيل أن عشرة خطوط «إي وان» معطاة من الوزارة منذ عهود سابقة، وتستعمل لسرقة الاتصالات الدولية من لبنان وإليه. رقم الهدر نحو 50 مليون دولار سنوياً، تذهب إلى عشرة أشخاص معروفين ومحددي الهوية والمكان والولاء والتبعية. أحال باسيل الملف إلى وزارة العدل. صار في الإعلام والأقلام، ولا يزال في عتمة كهف السنيورة.
يبقى الملف الرابع، الأحدث والأدسم والأخطر، محطة الباروك الشهيرة. أكثر من مليون دولار هدراً شهرياً، وأكثر من ثغرة أمنية مرعبة. منذ 2 نيسان الموضوع على وثائق المسؤولين وكتابات الصحافيين. لم يصل إلى آذان السرايا بعد…

كل تلك الملفات كانت تحوم حول كتاب السنيورة الواصل إلى شارع المصارف. بلغ أخيراً وجهته. فتحته الأيدي المتلهّفة لأمل في وضع أفضل. لتأتي المفاجأة أن رئيس حكومة تصريف الأعمال يبلغ وزير الاتصالات أنه قرأ مقالاً في صحيفة لبنانية، موقّع باسم «س. ع»، ويتحدث عن فضيحة حول قضية ما عرف باسم «شركة الأشرف». قضية مئتي ألف دولار. تقع ضمن الجباية الهالكة. وهي في الخلوي بنسبة 97 في المئة. ترى كم يجبي السنيورة في إداراته؟ والأهم أن القضية اكتشفها جبران باسيل شخصياً في حزيران الماضي، وهو مَن تولّى إحالتها إلى الملاحقة، حسب الأصول. يوم الجمعة أفاق السنيورة على اكتشاف «س. ع». كتب إلى إبراهيم نجار وإلى سعيد ميرزا، طالباً التحرك السريع والفوري والحاسم للمعالجة.

أربعة ملفات بالمليارات، منذ أشهر لم يسمع بها السنيورة. لكنه سمع بمقال «س. ع»… إنه نموذج مما تحظر الأدبيات المهنية والأخلاقية وصفه بالكلمات المناسبة… جداً.