لا متغيرات سورية ـ سعودية تسمح بتوقّع قيام الحكومة قريباً – ابراهيم الأمين – الأخبار


عطلة العيد أفادت في توقف الخطب الرنانة لبعض الوقت، وتبادل المتنافسون التهانئ، كأن لا شيء بينهم. والجميع ينتظرون الآن عودة الرئيس المكلّف سعد الحريري من الخارج، وهو قد يتأخر أياماً إضافية، إلا إذا طمأنه الأطباء إلى حالة ولده الذي أُصيب بعارض صحي من النوع غير المقلق. وعند اكتمال الصورة، سيعود الجميع ليقفوا في مواجهة الحقيقة التي قامت قبل اعتذار الرئيس المكلف، أمام السؤال نفسه: هل من متغيرات على صعيد العلاقات السورية ـــــ السعودية، وهل الولايات المتحدة أدخلت جديداً على حساباتها كي يتوقع اللبنانيون انفراجاً قريباً على شكل حكومة وفاق وطني؟

في المعطيات الداخلية، لا يبدو أن لدى الحريري أي جديد يفتح الأبواب الموصدة. هو قبل بإعادة توزير جبران باسيل، وهذا ما يؤكده المقربون منه، لكنه يرفض إعطاء وزارة الاتصالات إليه أو إلى أيٍّ من وزراء المعارضة. وهو مستعد لتعديل بعض الأسماء مع الرئيس نبيه بري، مع استعداد لعدم افتعال مشكلة مع رئيس المجلس بشأن بعض المواقع. ولن يكون الحريري معارضاً لأي قرار يتخذه حزب الطاشناق بشأن تمثيله داخل الحكومة، كذلك فإن الحريري سيتصرف بشيء من الحياد إزاء الحقائب الخاصة بوزراء حزب الله، وسيجعل الحزب يتحمل مسؤولية تبنّيه مطالب العماد ميشال عون، ويترك أمر ما يخصه من حقائب إلى آلية توزيع بين قوى المعارضة نفسها.




والحريري يعتقد أنه ليست هناك مشكلة كبيرة على صعيد توزيع حصص فريق 14آذار. ويمكن معالجة اعتراض الكتائب بتعديل نوع الحقيبة، لا بزيادة عدد الوزراء. أما «القوات اللبنانية»، فاعتراضها يقع في منزلة الرافع للصوت لضمان عدم تعديل مكاسبه، ويترك الحريري لشركائه المسيحيين مناقشة الشخصيات المعترضة على عدم توزيرها مثل بطرس حرب على وجه التحديد، وإذا سأله أحد عن توزير نسيب لحود، فإن الحريري سيجيب بأنّ لحود بات الآن مستشاراً سياسياً عند الرئيس ميشال سليمان، وهو من حصته. وهو إذا حُشر في السؤال فسيترك لغيره الإشارة إلى أن توزير لحود كان مراضاة للجانب السعودي الذي يهتم بأمر الرجل ولا يزال يريده رئيساً للجمهورية.
أما بشأن كتلة نواب زحلة، فليس في الحسابات الظاهرة للحريري من سعي لمراضاتها. وأعضاء الكتلة يتوزعون أصلاً على كتل «المستقبل» و«القوات» و«الكتائب». أما النائب نقولا فتوش فهو في موقع من أصابه اليتم. ولكي لا يصار إلى فتح البحث معه، بدأ انصار الحريري يتحدثون عن أنه (فتوش) على صلة قوية بسوريا، وأنه كان يريد خوض الانتخابات مع المعارضة، لكن إيلي سكاف لم يقبل، وهو لا يمثّل قوة بحد ذاته، وستظهره الانتخابات البلدية المقبلة عنصراً ثانوياً.
يبقى أن الحريري سيكون قد حصر انعكاسات اختياراته من وزراء المستقبل، وسيكون لديه الوقت الكافي لإرضاء من يستحق الإرضاء، أما بقية الأصوات فهي لا تمثّل له أي حرج، وسيتعامل معها على أنها جزء من عدّة الشغل، لأنه يحتاج إلى أن يقول إن تياره غير راضٍ عن الحكومة وإنه قبل بها لمصلحة البلد.

هذا على صعيد التركيبة الحكومية، وهو أمر لن يعني الكثير للجهات المتفاوضة إلا إذا شعر الطرفان بأن التنازلات المتبادلة هي من النوع القابل للحياة والترجمة. ومع أن الحريري وفريق 14آذار يطالبون المعارضة بالتنازل، فإن وقائع لبنان تشير، من دون مغالاة، إلى أنه إذا لم يعدّل الحريري من طريقته في مقاربة الملف الحكومي ويقدم على تراجعات عن أخطاء التجربة الأولى، فإنّ من الصعب قيام حكومة توافقية، وسط صعوبة في قيام حكومة من طرف واحد، وهي صعوبة باتت دستورية وقانونية في جانب منها، وسياسية في الجانب الآخر، لأن رئيس الجمهورية، ومعه النائب وليد جنبلاط، لن يشاركا في تغطية أي حكومة من هذا النوع.
لكن ما هي حسابات الخارج؟

في دمشق يتجنّبون الكلام السلبي عن الموقف السعودي، وهم يشيرون إلى أن الرياض تتعرّض لضغوط كبيرة من الأميركيين والمصريين، وهو أمر يؤخّر أي خطوة تجاه تحقيق توافق بشأن الوضع في لبنان. ويشير السوريون إلى أن في العالم من يعتقد أننا أمام مرحلة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة والغرب عموماً، وسوريا، وهو أمر يستبعده السوريون، بل يشيرون إلى وجود مواقع داخل الإدارة الأميركية، ولا سيما في وزارة الخارجية يرفضون التطبيع مع دمشق، لكنهم لا يملكون الخيار البديل، وحتى الضغوط المستجدة من باب العراق لن تحقق الكثير لكونها لن تتيح لأحد ممارسة أي ضغط خاص على سوريا. ويقول زوار دمشق إن الأمور قد تأخذ وقتاً طويلاً من المراوحة، لكن ليس بيد دمشق ما تقدمه لهذا الغرب أو للمحور الذي يريد الآن تسويق تسويات ناقصة سياسياً وأمنياً في فلسطين أو لبنان أو حتى في العراق.

أما أنصار المحور الآخر، فيحمّلون سوريا مسؤولية التأخير، لكنهم لا يشرحون السبب، وتحلو لهم العودة إلى منطق الأعوام الأربعة الماضية، إذ كانوا يربطون التسوية الداخلية في لبنان بمصير الملف النووي الإيراني ومستقبل العلاقات السورية بالغرب، وهو أمر أظهرت الأحداث الماضية عدم صحته لأسباب كثيرة، لأنه يمثل قراءة تجاوزت الأسباب الداخلية المعقدة.