ايران : معضلتان وسؤال لبناني – علي حماده – النهار


كشفت عودة الاحتجاجات الى المدن الايرانية في مناسبة "يوم القدس" التي تحييها الجمهورية الاسلامية حيوية نادرة للحركة الاحتجاجية التي اشتعلت اثر الانتخابات الرئاسية الاخيرة، ثم امتدت في الزمن لتتحول حركة ضد النظام في وجهه الشمولي. ومع شدة القمع الذي لجأت اليه السلطات الايرانية بدءاً بالمواجهة في الشارع والتي اسفرت عن مقتل عشرات المتظاهرين، ثم الاعتقالات الواسعة النطاق، والمحاكمات الصورية التي تذكر بالحقبة الستالينية، بدا من خلال تقارير عدة من الداخل الايراني ان الحركة الاحتجاجية المحاصرة بماكينات النظام لا تزال تعمل في عمق المجتمع الايراني، ولا سيما في المدن الكبرى. وقد يكون الحدث في يوم القدس هذه السنة رفع شعارات "لا غزة ولا لبنان نموت من اجل ايران"، بما يؤشر الى اعتراض على السياسة الخارجية للجمهورية الاسلامية، وهي تلك التي يديرها ولي الفقيه و"الاستبلشمنت" اي المؤسسة العسكرية – الامنية التي تمثلها على نحو كبير مؤسسة الحرس الثوري المتعددة النشاط بما في ذلك النشاط المالي والاقتصادي.

المؤسسة الحاكمة في ايران تقف في مواجهة معضلتين. الاولى داخلية سببها ترهل الحكم بعد ثلاثين عاما، وتراجع قوة الاستقطاب التي مثلتها شعارات الثورة في اوساط الشباب المديني على خلفية تفاقم الازمة الاقتصادية والمعيشية للمواطن العادي، فضلا عن التضييق الذي مورس على نواح كثيرة من الحياة الخاصة للشباب في المرحلة التي تلت انتهاء ولاية الرئيس محمد خاتمي، ومجيء الرئيس الحالي محمود احمدي نجاد كممثل للجناح المحافظ، وهو عمليا جناح مؤسسة الحرس الثوري الحاكمة الفعلية للجمهورية الاسلامية في ايران. وقد ظهر من خلال تظاهرات حزيران الماضي، اثر اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، حجم المعارضة وانه لو لم تتحرك المؤسسة الحاكمة بقيادة الحرس الثوري والمرشد السيد علي خامنئي لربما بلغ حجم التظاهرات بعد اسابيع عدة ملايين. ولكن القوة لم تعالج المشكلة بل هي اخّرت الانفجار.




المعضلة الثانية خارجية، وتتمثل في ما يعتبره الفريق الحاكم في طهران مصدر قوة من شأنه حماية النظام بنقل خطوط المواجهة بعيدا من الداخل الايراني الى داخل الكيانات العربية من جهة، وحول شبكات المصالح الغربية الاقليمية والدولية من جهة اخرى. وإذا كانت الايديولوجيا من ابرز محددات السياسة الخارجية الايرانية الا ان المحدد الاول هو مصلحة النظام وبقاؤه بعدما قامت من ضمنه وحوله شبكة مصالح واسعة ومعقدة. ومصدر القوة، كما يعتبره الفريق الحاكم، هو في الوقت عينه مصدر جاذب للاستهداف في لحظة تاريخية معينة تتوافر فيها حوافز وتتقاطع فيها مصالح كبرى. فإيران الاسلامية التي تنتشر من اليمن الى لبنان وفلسطين ومصر وصولا الى المغرب العربي في مواجهة متعددة شرقية – غربية، ثورية – محافظة، وسنية – شيعية تتموضع فوق ارض خطرة، هذا إذا ما ثبت ان الغرب لن يقبل التعايش مع ايران نووية ايا يكن الثمن. وهذا التموضع الخطر يزيد من خطورة نتائج العقوبات الحالية، ومن تلك التي يجري التحضير لها، وخصوصا ان الاقتراح الايراني الاخير الذي قدم الى الدول الخمس الكبرى والمانيا لم يتناول حل الازمة حول البرنامج النووي، بل جاء على شكل عرض قوة اقليمية قامت به ايران امام العالم.
مؤدّى هذا العرض ان جمهورية ايران الاسلامية الممسكة بأوراق اقليمية، دخلت في مخاض سياسي داخلي طويل سينعكس على سياستها الخارجية إما بمزيد من التدخلات في المحيط العربي من اليمن الى فلسطين ولبنان، واما بحرب اقليمية يرجح ان يكون لبنان ساحتها مع استمرارها في امتلاك اثمن الاوراق إطلاقا: "حزب الله"! والسؤال الذي يهمنا في لبنان: ما حدود تبعية الحزب للاجندة الايرانية؟