مشهد غير متماسك – نجاة شرف الدين – النهار


عندما خرج رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط بعد إجتماعه مع العلامة السيد محمد حسين فضل الله في منزله في حارة حريك توجه الى حلفائه في الرابع عشر من آذار بالقول: "آن الاوان لقراءة جديدة لمعطيات المنطقة. لا نستطيع ان نبقى أسرى شعارات حرية سيادة استقلال. هناك الطائف الذي حدد عروبة لبنان". هذا الكلام الذي يجدد فيه جنبلاط تمايزه عن قوى الرابع عشر من آذار معطوفاً على التحول الاول في الثاني من آب والذي أطلقه من فندق البوريفاج باتجاه العودة الى القضايا الكبرى: فلسطين والعروبة والعلاقة مع سوريا، يطرح من جديد السؤال حول مستقبل التحالفات السياسية القائمة حالياً في لبنان (8 و14 آذار) والقاعدة التي يمكن التأسيس عليها في المدى القريب لجمع القوى السياسية في إطارين تجاوزتهما التطورات والأبعاد الداخلية والخارجية. التحول الجنبلاطي الذي كان مهّد له قبيل الانتخابات النيابية يعيدنا الى اللحظة التي تكونت فيها التحالفات والأسس التي إرتكزت عليها القوى السياسية من الاتجاهين وما إذا كانت هذه الاسس كافية لمتابعة المسيرة في المديين المتوسط والبعيد.

الرابع عشر من شباط عام 2005 تاريخ إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هذا التاريخ الذي أطلق عليه الرئيس نبيه بري وصف "الزلزال" الذي أصاب البلد لا تزال إرتداداته تتردد حتى اليوم في لبنان والمنطقة. هو يوم تاريخي في الحياة السياسية وتحول كبير في تكوين التحالف السياسي الذي ولد في تلك اللحظة عندما غاب الرمز الجامع للبنانيين على إختلاف توجهاتهم وبدأت مرحلة جديدة في حياة لبنان واللبنانيين.
في تلك اللحظة بدأ الانقسام والتباعد يترجم على الارض من خلال التحالفات الخارجية عبر عناوينها السياسية الداخلية وكان عنوان المحكمة الدولية أول العناوين التي عمّقت الانقسامات بين القوى السياسية نتيجة التطورات التي حصلت، ونزلت الجماهير الى الشارع وبرز التطرف والانتماء الطائفي بأبرز تجلياته من خلال اللغة التي إستخدمت في الخطاب السياسي للزعماء من تحالفي (8 و14 آذار)، ولعب عدم الاستقرار الامني وإستمرار الاغتيالات السياسية دوراً أساسياً في تعميق الهوة بين الاطراف لا سيما بعد العدوان الاسرائيلي في تموز 2006 وطرح موضوع سلاح المقاومة، والعلاقة مع سوريا والتحالفات الخارجية، والاتهامات بتنفيذ أجندات خارجية مما عزز في تباعد القوى السياسية داخلياً وصولا الى السابع من أيار الذي أوصل الى حالة الاقتتال الداخلي وأدى الى إتفاق الدوحة. هذا الاتفاق فرض معادلات جديدة: الرئيس التوافقي وحكومة الوحدة الوطنية وإقرار قانون إنتخابي على أساس قانون الستين والذي جرت على أساسه الانتخابات ولكن من أبرز نتائجه إستبعاد مبدأ الاكثرية والاقلية من خلال تكريس حكومة الوحدة ووجود الثلث المعطل.




هذه التحولات التي نشأت إنعكست على تكوينات التحالفات السياسية خاصة ما بين 8 و14 آذار وعادت الاسئلة لتطرح حول ظروف إلتقاء القوى والتعمق في أهداف كل منها ومستقبل شعاراتها.
لقد إجتمعت في الرابع عشرمن آذار 2005 قوى متعددة لرفض الاغتيال والمطالبة بالمحكمة الدولية وانسحاب الجيش السوري من لبنان تحت شعار "حرية وسيادة وإستقلال" وقد شارك يومها التيار الوطني الحر في التظاهرة إلا ان مشاركته لم تدم طويلا مع إنسحابه بعدها وخوضه إنتخابات العام 2005 منفرداً.
هذه القوى التقت في لحظة سياسية تتقاطع فيها العديد من المصالح للتيارات والاحزاب السياسية لتشكل في ما بعد تحالفا سياسياً بدأ يطرح شعارات تتعلق بسلاح المقاومة وبناء دولة المؤسسات، إلا ان هذا التحالف كان ركيزته قوتين اساسيتين: تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي (أي سني درزي) إضافة الى قوى مسيحية من القوات والكتائب وشخصيات مستقلة مدعومة خارجياً بتحالف دولي وعربي لعزل سوريا في المنطقة وفرض عقوبات إقتصادية على إيران وخلق شرق أوسط جديد.
اليوم وبعد تطبيق إتفاق الدوحة وإنتخاب رئيس توافقي هو العماد ميشال سليمان وتشكيل حكومة وطنية وإجراء الانتخابات النيابية إضافة الى التطورات الاقليمية والدولية من وصول الرئيس الاميركي باراك أوباما والتقارب السعودي – السوري من خلال المبادرة التي قام بها الملك عبد الله بن عبد العزيز أثناء القمة الاقتصادية في الكويت وما تبعها من لقاءات مع الرئيس السوري بشار الاسد، هذه التطورات جعلت بعض مكونات 14 آذار تتمايز في مواقفها وتعيد قراءة الاحداث والمتغيرات وعلى رأسها النائب جنبلاط.
في المقابل فإن مكونات الثامن من آذار والتي تشكلت في تظاهرة كان شعارها "شكرا سوريا" إرتكزت على تحالف شيعي أساسي ("حزب الله" وحركة أمل) وبعض الاطراف الاخرى (الحزب القومي وحزب البعث وشخصيات سياسية أخرى) إلا انها لم تشكل مشروعاً أو عنواناً أساسياً سوى الدفاع عن سلاح المقاومة تجاه العدو الاسرائيلي والحفاظ على العلاقة المميزة مع سوريا. وبعدما كان هذا التحالف مكوناً من لون واحد قام "حزب الله" بخطوة في إتجاه تماسك التحالف وهو التوقيع على تفاهم مع التيار الوطني الحر.
هذا التفاهم (المسيحي – الشيعي) الذي شكل حاجة للطرفين هو غطاء مسيحي بالنسبة لـ"حزب الله" وتحالف مع إحدى القوى الاسلامية الكبرى بالنسبة للتيار الوطني الحر إستند إليه الطرفان في موقفهما السياسي وشكل قاعدة لمواجهة قوى الرابع عشر من آذار. وعلى الرغم من بعض النقاط الغامضة في ورقة التفاهم بالنسبة لسلاح "حزب الله" والعلاقة مع سوريا والمحكمة الدولية إضافة الى الموقف من إتفاق الطائف إلا ان هذه القوى نجحت بإقناع قسم كبير من جمهورها بأهمية هذا التحالف. ولكن أيضاً بدأ التمايز وإن بدرجة أقل داخل فريق 8 آذار حيث يعلن رئيس مجلس النواب عن مواقفه المتمايزة في أكثر من مناسبة وهو يلتقي مع النائب جنبلاط في هذا المجال إلا انه من الصعب على بري ترك التحالف على المدى القريب دون تغطية عربية وإقليمية.

وفي ضوء هذه الوقائع هل يمكن هذه الاصطفافات السياسية ان تستمر في المديين القريب والمتوسط؟ ربما الاجابة اليوم ستكون نعم مع بعض التمايز لقوى وشخصيات ومن الفريقين إنما إذا كان السؤال في المدى البعيد فالمسألة مختلفة. فمشهد التحالفات الخارجية سيفرض تغييرات ومقاربات وتحالفات سياسية تنعكس على تكوين السلطة الداخلية، ومن هنا كانت خطوة لقاء "تكتل لبنان أولا" والذي تمايز عنه الرئيس نجيب ميقاتي والنائب أحمد كرامي. ومع أن جنبلاط وكتلته حضروا الاجتماع إلا انه ركز على موقفه الداعم للرئيس المكلف سعد الحريري وكان اللقاء شكلياً أكثر منه في المضمون. أراد هذا اللقاء توجيه رسالة بأن التحالف مستمر على الرغم من تمايز المواقف في داخله.
وفي التحالف المقابل فان التفاهم بين "حزب الله" والتيار الوطني الحر لا يلزم الرئيس بري وحركة أمل فيه كما ان النائب طلال أرسلان وبعد السابع من أيار تحول إهتمامه الى الطائفة الدرزية وقام بخطوات تقاربية مع وليد جنبلاط.
المشهد لتحالفي 8 و14 آذار غير متماسك في المدى البعيد وأي رسم لتحالف سياسي جديد أو تكوين للوحة تحالفات سياسية مستقبلية ينتظر أو يتوقف على التطورات والتحالفات الاقليمية والدولية.