هذه شروط ترميم الثقة بين عون والحريري – عماد مرمل – السفير

من «بركات» عيد الفطر السعيد هذا العام انه فرض «هدنة قسرية» على رجال السياسة، أتاحت للبنانيين أن يحتفوا بالمناسبة بعيداً عن مفرقعات المواقف الصاخبة، وسمحت لأطراف الأزمة الحكومية بقليل من «التأمل» الذي قد يتحول الى «أمل» جديد بعد العيد، في حال استخلص المعنيون العبر اللازمة من معمعة 70يوماً من التكليف الاول والعقيم للرئيس سعد الحريري.

ولكن الامر بالنسبة الى «الواقعيين» ليس بهذه البساطة لأن الأزمة معقدة الى درجة ان «المراجعة الوجدانية» ليست كافية لمعالجتها، لا سيما إذا جرى التسليم بأن ما يحصل في لبنان هو امتداد للمد والجزر في المنطقة. ومع ذلك، هناك من يعتقد ان بإمكان اللبنانيين، لو ارادوا، ان ينتزعوا المبادرة الى حين، أقله من أجل تشكيل حكومة تنظيم الخلاف الوطني ما دام تأليف حكومة الوفاق الوطني متعذراً في الوقت الحاضر، تحت وطأة تعثر الوفاق الإقليمي.
ولعل المنحى الذي ستتخذه مشاورات التأليف التي سيباشر فيها الرئيس المكلف يوم الخميس المقبل مع الكتل النيابية ستعطي انطباعاً عن الاتجاه العام لمسار الأزمة في الأيام المقبلة، وهل سيواصل خطه التصاعدي ام انه سيبدأ عده العكسي من مكان ما، علماً بأن المعارضة تعتبر ان الكرة هي في ملعب الحريري وأن من واجبه أن يُحسن تسديدها في اتجاه مرمى التأليف الحكومي.
ولكن، كيف سيتعاطى «التيار الوطني الحر» بقيادة العماد ميشال عون مع «الحريري الثاني»، وهل من استراتيجية تفاوض جديدة سيعتمدها الجنرال الذي حمّلته الأكثرية مسؤولية إجهاض المسعى السابق لتشكيل الحكومة؟
يقول المقربون من مركز صناعة القرار في الرابية إن الكل أدلى بدلوه في مرحلة التكليف الاول، والمطلوب الآن من الحريري ان يطرح ما لديه على قاعدة التكليف الجديد. الخطوة الأولى يجب ان يقوم بها هو ولا مصلحة في ان نعاود طرح مطالبنا المعروفة مرة أخرى أمامه، ونتلقى الردود ذاتها ونعود بالتالي الى الحلقة المفرغة.
بهذا المعنى، يبدو واضحاً أن الميل لدى تكتل «التغيير والإصلاح» هو للاستماع الى ما سيقوله الحريري في جولة المشاورات، لعله يطرح شيئاً مختلفاً يعيد خلط الأوراق ويدفع رئيس التكتل الى مقاربة من نوع آخر. ويؤكد «البرتقاليون» أنه إذا عاد الرئيس المكلف من السعودية بأفكار إيجابية او بعنصر مفاجأة، فإن «التيار الحر» سيكون مستعداً للرد على التحية بأحسن منها، ولذلك فهو يفضل ألا ينغلق على ذاته باكراً بطروحات جامدة حول الحقائب والوزراء. لعله أحد ابرز الدروس التي استخلصها «التيار» من تجربة المفاوضات الماضية مع الحريري.
وما هي شروط ترميم الثقة بين الجانبين؟
بما أن المقربين من عون يلقون على الحريري وزر إضاعة فرصة تشكيل الحكومة في المرة الاولى، فهم يرون انه المعني بتعويضها عبر تصحيح أخطاء المرحلة السابقة والاستفادة من دروسها، وعندها سيلاقيه «التيار» في منتصف الطريق.
وترميم الثقة ينطلق، حسب أوساط عون، من القواعد الآتية:




ـ وجوب عدم التعاطي بمكيالين مع القوى السياسية، بحيث يأخذ الرئيس المكلف بعين الاعتبار مطالب البعض ويتجاهل حقوق البعض الآخر عن سابق تصور وتصميم. إن ازدواجية المعايير مرفوضة ومن غير المقبول التصرف مع «التيار الوطني الحر» وكأنه باب ثان او درجة ثانية. البداية يجب ان تكون من هنا: المساواة في التعاطي مع الجميع.

ـ وقف الحملات الإعلامية التي كانت في السابق تواكب المفاوضات لممارسة الضغط على عون، مع ما يتطلبه ذلك من الامتناع عن التعرض لقيادات معينة في «التيار» من أجل إحراقها وقطع الطريق على وصولها الى الحكومة. ان مثل هذا السلوك أثبت انه لا يجدي بل هو يدفع المستهدف منه الى المزيد من التصلب والتشدد في مطالبه، كما حصل عندما رد ميشال عون على الهجمات التي تعرض لها جبران باسيل بالتمسك به والإصرار عليه.

ـ المصارحة والمكاشفة في الحوار والنقاش، بعيداً عن النيات المضمرة والحسابات المخفية: لماذا يخشى سعد الحريري من إعطاء هذه الحقيبة او تلك الى التيار، وما الذي يخيفه في العماد عون؟ إن عليه ان يبوح بما يختزنه في صدره، وعندها ربما تكون لدى الجنرال تطمينات وإجابات تبدد الهواجس والمآخذ.

ـ تجنب إشعار «التيار الحر» بأنه في دائرة التصويب المستمر لتحجيمه وإعطائه أقل مما يستحق.
ويلفت «البرتقاليون» الانتباه الى ان المشوار لن ينتهي عند تشكيل الحكومة بل هو يبدأ معها، والمطلوب التأسيس لعلاقة تنطوي على الحد الأدنى الضروري من الثقة المتبادلة وتكون قابلة للنمو، بعد التجارب السابقة التي زرعت في «التيار الحر» الريبة والشكوك في حقيقة نيات الأكثرية بقيادة الحريري، وحرضت على تساؤلا ت من نوع:
لماذا السعي الدؤوب على سبيل المثال الى استبعاد «التيار الحر» عن التعيينات الأمنية والقضائية، وصولاً الى التعيينات الأخيرة التي أعدت لها الوزيرة بهية الحريري في وزارة التربية، بحيث أن أحداً لا يسأل عن رأي عون او يشاوره في مسائل مرهفة لا تحتمل الإقصاء او الكيدية.
ولماذا يستعدي الحريري «البرتقاليين»، بينما قد يكتشف إذا بذل بعض الجهد الإضافي وتخلى عن محاولة تحجيم الآخرين، ان هناك قواسم مشتركة معهم يمكن البناء عليها. هو يقول إن لديه برنامجاً إصلاحياً ونحن نناضل من أجل رؤيتنا الإصلاحية، فما الذي يحول دون ان نتعاون مستقبلاً في حال تغيرت منهجية التعامل معنا؟
من هنا، يعتقد المحيطون بالجنرال انه ينبغي التعاطي معه، بما يمثل، كشريك فعلي وليس كشر لا بد منه، إذ طالما ان النظام الطائفي هو السائد، لا بد من مراعاة الأحجام السياسية والشعبية لكل الأطراف، والتعامل معها على اساس ما تساويه وتمثله.
ويجزم هؤلاء بأن عون يريد تشكيل الحكومة فعلاً، لا قولاً، ولكن ليس بأي ثمن، حتى لا يتم تكريس أي سابقة من شأنها أن تؤسس لمزيد من الخلل البنيوي في النظام، وفي العلاقة بين قواه. صحيح ان التشكيلة السابقة التي عرضها الحريري كانت تتضمن بعض الجوانب الإيجابية، إنما لو قبل بها عون ـ كما يقول المقربون منه ـ وبالطريقة التي حاول من خلالها الرئيس المكلف ان يفرض تشكيلته، ما الذي كان سيضمن أن مزاجية الحريري او مصالحه لن تدفعه عند أي استحقاق آخر، سواء يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة أو غيره، الى الانزلاق مرة اخرى نحو سلوك استنسابي وتفردي ربما يكون اشد خطورة وفداحة، مستنداً الى سابقة مرت. المهم بالنسبة الى عون ـ وفق تأكيدات المحيطين به ـ ليس هذا الاسم تحديداً او تلك الحقيبة بحد ذاتها، وإنما تكريس الأسس المبدئية السليمة لتأليف الحكومات انطلاقاً من احترام معايير المشاركة وموازين القوى في البلد.

وفي الخلاصة، يصل «البرتقاليون» الى الاستنتاج الآتي: المعركة الراهنة هي في جوهرها معركة تفسير اتفاق الطائف: الحريري يسعى الى ممارسة صلاحياته وفق فهمه الخاص للطائف الذي جعله يعتبر ان من حقه ان يختار اسماء الوزراء وحقائبهم، من دون التوافق مع الأطراف السياسية، ونحن من جهتنا لن نسمح بأي انحراف في التفسير، يعطي أرجحية لفريق على آخر، بما يتعارض وحساسية موازين القوى الداخلية.