ليس هناك منزلة بين المنزلتين – الياس الزغبي – النهار

الاصطفاف السياسي الراهن في لبنان ليس قدرا والسياسة حالة متحرّكة ومتبدّلة.
هذه اجابة بسيطة وعفوية على عنوان المحور الذي تطرحه "قضايا النهار"، وليس في وسع أي لبناني أن يتصوّر تأبيد التشكيلين السياسيين المستمرّين منذ أربع سنوات ونصف (14 و8 آذار) وبقاءهما، في الشكل والمضمون، الى أمد غير منظور.
لكنّ التبصّر في عمق السؤال يجعل الاجابة أكثر تعقيدا، لأن المسألة اللبنانية، في جوهرها، لا تختصرها عبارة "اصطفافات سياسية". هي عبارة – مصطلح لا بد منها لاثارة النقاش وتركيز البحث، بينما الاصطفاف الحقيقي في لبنان، وتحديدا منذ ربيع 2005 وانتهاء الوصاية السورية المباشرة، يتخطّى السياسة السياسية بمفهومها المتراكم كعلم قديم – حديث وكفنّ لادارة الحكم والمجتمع على أساس التنافس الديموقراطي، ليبلغ حد الانهدام العمودي بين مفهومين وثقافتين ومشروعين بما ينذر باعادة صياغة الدولة والنظام، وربما الحدود والهوية والكيان.
نعم، المسألة هي في هذه الجدّية والخطورة والالتهاب المصيري. وليس توالد الازمات في الآونة الاخيرة واتخاذها خطا تصاعديا تحت عناوين التوافق والشراكة والثلث المعطّل والاحتكام الى السلاح و"الأكثرية الشعبية" وتجويف نتائج الانتخابات والتحايل على الدستور وتعطيل تشكيل الحكومة سوى ظواهر وأعراض هذا الالتهاب.

أ – المشروع اللبناني ونقيضه
في المسار التاريخي اللبناني، قبل تكوّن دولة لبنان الكبير ( 1920) وبعده، هناك ثنائية ثابتة حكمت فلسفة تشكّل الكيان والهوية، قائمة على تقاطع الشرق والغرب كحالتين ثقافيتين وحضاريتين وتفاعلهما في الحالة اللبنانية، وقد تشاركت أو تصادمت كل المكوّنات اللبنانية، السياسية والطائفية، في اطار هذه الحالة وتحت لوائها عقودا طويلة الى أن أصبحت عقيدتها موحّدة في زواج نهائية لبنان وانتمائه العربي والتزامه المواثيق الدولية سنة 1989 (اتفاق الطائف). وظلت هذه العقيدة كامنة ومخنوقة الصوت تحت الادارة السورية (15 عاما)، وحين حانت الفرصة للتعبير عن نفسها بقوة وحرية في شباط – آذار 2005 كانت الصدمة الاولى في انكفاء فريق لبناني تمثله "الشيعية السياسية" عن المشاركة في فرحة الزواج التاريخي، ثم انفكاك فريق آخر مثّله العماد ميشال عون عن الحالة الاستقلالية الجديدة.
وفي مقابل الصدمة الايجابية التي أحدثها انخراط السنّة باندفاع وصدق بقيادة "تيار المستقبل" في تكريس ثنائية نهائية الكيان – الانتماء العربي تحت الشعار الحاسم "لبنان أول"، شكّل غياب "حزب الله" و "أمل" ومعهما المجموعات الأشد ارتباطا بالنظام السوري خيبة كبيرة للمشروع الاستقلالي، خلافا للتاريخ الشيعي الكياني الذي أرساه الائمة والقادة ودرّتاهم الامام المغيّب موسى الصدر والامام الراحل محمد مهدي شمس الدين، وكانت المفارقة المؤلمة دخول السنّة بحماسة والتزام الى الكيانية اللبنانية مقابل خروج الشيعة بفعل الامر الواقع عليها كي يحوّلهم "حزب الله" طائفة اقليمية ذات وظيفة فوق وطنية، فيما شكّل ارتداد عون ذهولا عاما لأنه خرج بصخب على الثنائية المسيحية التاريخية (عرب – غرب) وأوغر صدور مناصريه ضدها وانزلق عميقا في المحور المعادي لها وعزّز المشروع المناقض للكيانية اللبنانية وفرادة لبنان وقيمته المضافة. وحين حذّر البطريرك الماروني نصرالله صفير من الخطر على الكيان والهوية لم يكن يقصد توظيف كلامه في الفضاء الانتخابي العابر بل كان يضع يده على حقيقة المصير الذي يواجهه لبنان، وقد أثبتت مرحلة ما بعد الانتخابات صحة هاجسه، فلبنان اليوم مهدّد بخسارة معناه وهويته ونظامه وثوابت دولته.




ب – تهديم المرتكزات اللبنانية            
لأن الاخطار التي تهدّد لبنان ليست نظرية، والحديث عنها ليس للكسب السياسي، يجب تظهير هذه الأخطار بعيدا من عقدة التوقّف عند الخطر الاسرائيلي والاكتفاء به كغطاء جاهز للتستير على الاخطار الاخرى، ويحصل التوسّع أحيانا فيسمح فقط بالحديث عن خطري الارهاب والتوطين. اسرائيل، الارهاب، التوطين : نعم، انها أخطار ماثلة  نواجهها بكل الطاقات. ولكن ماذا عن العقدة السورية التاريخية تجاه استقلال لبنان، وهل يجب أن ننتظر ما يشبه الحسم التركي لعقدة اللواء السليب (لواء الاسكندرون) سنة 1998 كي يشفى الذهن السوري من "عقدة لبنان"؟ ماذا عن خطر ابقاء لبنان ساحة صراع ايراني – اميركي وسوري – سعودي وفلسطيني – اسرائيلي وسوري – عراقي وايراني – عربي…؟ وماذا عن السلاح السوري على الارض اللبنانية (المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات) والسلاح الايراني (في منطقة اليونيفل وخارجها) ؟ وهل يستطيع أحد أن يشرح كيف يكون سلاح "حزب الله" لمحاربة التوطين بحسب ما يروج له أهله وحلفاؤهم؟ هو ليس معدّا لشن حرب ابادة ضد المخيمات، ولا يتصدّى لأشد وجوه التوطين خطورة أي التوطين المسلّح خارج المخيمات برغم قرارطاولة الحوار (2006)،  ولا يرى أحد كيف يستطيع أن يفرض على اسرائيل حق العودة تحت وطأة التهديد بصواريخه البعيدة المدى. والخشية أن يكون هذا السلاح لتبرير التوطين المسلّح، والخشية الكبرى أن تكون وظيفته  لموازنة التوطين وليس لمنعه، وظيفة لاحقة وليست سابقة، في اطار الصراع الطائفي – السياسي الكبير في المنطقة.
ثم ماذا عن استخدام السلاح في الداخل واستبدال العلاقة السياسية بين اللبنانيين بمنطق الاحتكام الى القوة المسلحة ومبدأ البقاء للأقوى، وماذا عن الحدود والسيادة، وماذا عن الدستور والنظام السياسي ومفهوم الدولة؟
لبنان يتعرّض الان لعملية تهديم منهجي بسرعتين: خطة تغيير دراماتيكي بقوة السلاح (7 أيار 2008) لم تحصد نتائج فورية وجذرية، فحلّت محلها خطة تغيير بطيئة من خلال قضم المواقع والنفوذ تحت غطاء التوافق والحقوق والحصص والتوازنات. وخطورة هذه الخطة تكمن في ادخال تعديلات دستورية بدون الدستور، وفي تشويه أواليات النظام والأعراف والاصول، خصوصا في فرض شروط وأساليب وثقافات دخيلة على الحياة السياسية اللبنانية خلال تشكيل الحكومة ومراكز قواها وتوازناتها، وبالتحديد لجهة تخريب الحق الدستوري لرئيس الجمهورية والرئيس المكلّف في تشكيل الحكومة، والأخطر هو التحطيم المنهجي لمعنى الانتخابات ونتائجها والتأسيس لحكم رؤساء القبائل على قاعدة أن الأقوى والأكثر تسلّحا ينتزع النفوذ وأولوية القرار. ولا معنى للانتخابات الاّ كاستفتاء داخلي ذاتي لتكريس الزعامات الطائفية واطلاق يدها في اختلاق بدع جديدة في السياسة وادارة اللادولة. واكثر ما يثير هاجس المسيحيين هو اصرار "حزب الله" على الأكثرية العددية وتجاهله المتمادي لقاعدة المناصفة وما أرساه اتفاق الطائف، في حين يصر "تيار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري باسم المسلمين السنّة على أولوية المناصفة كأساس للحكم وقيام الدولة وقد كرّسا هذا الالتزام خطيا وشفويا مرّات عدة. ألا يعني تغييب "حزب الله" ومن معه مبدأ المناصفة وتهويلهم بالعدد تبييتا لمشروع المثالثة ولاحقا القطبية المذهبية؟ خصوصا أن تصريحات قياداتهم الدينية والسياسية والعسكرية تشي من حين الى آخر بالمكتوم.

ج – التموضع المستحيل
كل الاخطار المذكورة تجعل الاصطفاف السياسي الراهن في لبنان غير قابل للاهتزاز بصورة دراماتيكية، لأنه ليس مجرد التحاق مرحلي بطرف أو اخر، حتى ولو كانت المصلحة السياسية أو الشخصية في أساسه، وحتى لو اقتضت هذه المصلحة الخروج من الاصطفاف. فلا انهيار وشيكا لأي اصطفاف، و 14 و 8 آذار باقيان سواء بالاسمين نفسيهما أو تحت عناوين مختلفة في ما يشبه "التقمّص السياسي"، وقد أثبتت التجارب الاخيرة عدم قدرة أي قوة سياسية أو زعيم سياسي على الانتقال من ضفة الى أخرى لأن المسافة بين الضفتين هي منخفض سحيق لا يسهل عبوره. تلك كانت حالة وليد جنبلاط الذي حاول، ونبيه بري الذي لم يحاول، وطلال ارسلان الذي لم يقدر، ونجيب ميقاتي الذي لم يقدم، والطاشناق الذي يتردّد، وميشال المر الذي لم يشته، ونقولا فتوش الذي لم ينته. وتلك ستكون حالة كل راغب في مغادرة صفه، فليس هناك مشروع ثالث بين مشروعين ولا منزلة بين المنزلتين، والخيار هو بين لبنان المألوف ولبنان غير المألوف: الاول وطن ودولة ونظام، والثاني رقم وساحة وقبائل، فمتى يعود الثاني الى الاول، ومتى يهتدي القطيع الضال الى مرعاه؟!