تراجع أميركي في لبنان – ساطع نور الدين – السفير

بينما ينهك اللبنانيون أنفسهم بين الحين والآخر ومن دون جدوى في اختراع أدوار خفية للسفارة الأميركية في عوكر في إدارة أزمتهم الداخلية او في تصعيدها، تنهمك بقية الشعوب والدول هذه الايام في ابتكار صيغ لعالم ما بعد زعامة أميركا التي تولت حكمه منذ الحرب العالمية الثانية، وفي السؤال عما اذا كان هذا العالم سيصبح افضل وأكثر هدوءاً واستقراراً، أم أنه سيكون عالماً تعمه الحروب الصغيرة والفوضى.

تقدم السفيرة الأميركية في بيروت ميشال سيسون ما يبدو انه نموذج مصغر عما ستكون عليه قيادة أميركا في المرحلة المقبلة، التي ستشهد المزيد من الانكفاء والتراجع لمصلحة المشروعات الوطنية (والإقليمية) الخاصة، التي يفترض ان تحد من الخسائر والأعباء الأميركية، وتستبدل التدخل العسكري والسياسي الأميركي بتدخلات محلية او إقليمية، تسمح للأميركيين بإعادة إطلاق دورتهم الاقتصادية المتعثرة والاهتمام بمشكلاتهم وأولوياتهم المتغيرة، التي دفعها الرئيس السابق جورج بوش الى الحد الأقصى عندما اعتبر نفسه رسولاً يريد تغيير العالم كله وليس فقط العوالم العربية والإسلامية، التي خرج منها منفذو هجمات 11 ايلول 2001.
تواضع الدور الأميركي في لبنان من تصنيفه حالة ثورية تستجيب لرؤى بوش وتطلعاته، الى خوض مغامرة جديدة سبق أن خاضوها ثلاث مرات في اقل من ثلاثة عقود، وتقضي بتجهيز وتسليح مؤسساته العسكرية والأمنية، على امل ان تصبح تلك المؤسسات يوماً ركيزة الدولة اللبنانية، التي لا يملك الأميركيون أدنى فكرة عنها، وعن فرص قيامها فعلاً او عن الشروط السياسية لمثل هذه القيامة، ولا عن قدرتها على احتواء الخطر الإسلامي ومنع تمدده خارج الحدود، أوعن قدرتها على استيعاب حزب الله ودمجه في توازناتها الداخلية… ولا طبعاً عن المؤثرات والمعوقات الخارجية لمثل هذه المغامرة.
لا يمكن لأي لبناني، سواء انتمى الى فريق 8 آذار او فريق 14 منه، أن يزعم أن هذا التواضع في النظرة الأميركية الى لبنان هي خطوة الى الوراء، لأن الفريقين دفعا ثمناً باهظاً عندما وقف بوش مع أحدهما او عندما حارب الآخر. لكن تراجع اوباما الى حدود لبنانية متواضعة، تبنى على مشروع يكاد يكون خيالياً، لن يرسخه اللقاء المرتقب في نيويورك هذا الأسبوع بين الرئيسين الأميركي واللبناني، يطرح الكثير من علامات الاستفهام، حول ما اذا كان الأميركيون يهدرون فرصة لبنانية لا تعوض، مثلما يهدرون الكثير من الفرص الفلسطينية والعراقية وحتى الإيرانية التي لا تقدر بثمن.




في الحالة اللبنانية، وربما أكثر من بقية الحالات التي يعيد الأميركيون النظر فيها هذه الايام، كان التورط سبباً حتمياً للكارثة، لكن التراجع ليس مخرجاً مضموناً منها، لأنه يعني إفساح المجال امام القوى الإقليمية الكبرى كي تحاول ان ترث دور اميركا المتراجع، وأن تدّعي لنفسها مصالح تتخطى حدودها، ولا يمكن الدفاع عنها الا اذا جرى تصحيح الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها أميركا على مدى السنوات الثماني من عهد بوش، بدءاً من لبنان.