صنّارة نيشان – فيكي حبيب – الحياة

إن كنت صحافياً فنياً، تدغدغه نجومية التلفزيون، ما عليك الا ان تكتب مقالاً عن برنامج «المايسترو»، سلباً او إيجاباً، ونيشان يتكفل بالباقي: ستنهال عليك اتصالات الإعجاب والتقدير من أصدقائك وأقربائك. ستكبر في عيون جيرانك. ويحسدك زملاؤك. لا لأنك كتبت مادة نقدية صائبة او سبقاً لم يعرف به أحد سواك. ولكن فقط لأن «المايسترو» ذكر اسمك مباشرة على الهواء وحيّاك في مستهل الحلقة، على مرأى آلاف المشاهدين الأوفياء لشاشة «ال بي سي»، لمتابعتك برنامجه والحديث عنه على صفحات الجرائد او المجلات.

هنا تتضخم لديك الأنا. وتحلو لك اللعبة. قد تشعر لبرهة بالإحراج او حتى الاستياء لأنك قسوت بعض الشيء على «المايسترو» في مقالك السابق ووجهت إليه الانتقادات. وتقرر ان تعوّض له بعض الشيء في مقال لاحق، أوليس هو صاحب الفضل في هذا الامتياز الذي خصّك به، والمجد الذي عشته ولو لدقيقة؟.




تلجأ الى جهاز الكومبيوتر وتبدأ النقر على الحروف. تدوّن اسمك أسفل المقال، وتعيد قراءته. تشعر بالرضا ولا تلاحظ انك انقلبت 180 درجة في موقفك. ترسل المقال الى جريدتك وتنتظر بفارغ الصبر مساء اليوم التالي للنشر. تصرّ على ان تتابع الحلقة وسط اصدقائك في أحد المقاهي. وتأخذ وعداً من عامل المقهى بأن يبقي التلفزيون مسمراً على شاشة «ال بي سي». يطلّ نيشان. تطلب من أصدقائك الانتباه بحجة ان الضيف جذاب. و«تُفاجأ» باسمك يقفز مجدداً من الشاشة. تلمع عيناك، وتبدأ صيحات الاصدقاء. اما انت فيبدو عليك الخفر. وربما تظهر بعض الاستياء الكاذب!

تمرّ أيام. وتشتاق لنشوة الانتصار. تتحرك يداك اوتوماتيكياً صوب الموضوع ذاته. تضع لمساتك الأخيرة وتتذكر ذاك الشعور. وحده صوت المدير ينبّهك الى ان شهر رمضان انتهى وانتهت معه يوميات نيشان وأيام مجدك. تستاء لبرهة. ثم تنقذك فكرة استعادة المقال والاحتفاظ به للبرنامج الجديد، من دون ان تدري انك وقعت في الصنارة… وتظل جاهلاً حائراً، حتى يذكّرك صوت ما، قديم او جديد، بأنها في نهاية الامر لعبة قديمة… بل لعبة قام عليها جزء كبير مما يسمى في حياتنا الثقافية، «النقد على الطريقة الصحافية»، إذ بنيت أساطير وكرست أعمال وذاعت اسماء، غالباً بفضل مثل هذه «الخدمات المتبادلة»… وهي خدمات ومتبادلة وان لم تكن مقصودة أول الامر.

هنا يطل المثل المصري الطريف: «شيّلني أشيلك»، ما يجعل لعبة النقد في عالمنا الاعلامي المعاصر، لعبة شلل وصداقات وتحيات متبادلة.

وبعد هذا يأتي من يسأل بكل براءة: ترى أين هو النقد؟ ولماذا نشعر بأن ما يكتب منه لا يمارس اي تأثير لا على الجمهور العريض الذي لا يأبه له أصلاً، ولا على الجمهور الضيق الذي يعرف اللعبة جيداً… لأنه صاحبها؟