لو كنتُ مكان البطريرك – جان عزيز – الأخبار

كان حزبياً مارونياً إيديولوجياً عتيقاً، يقرأ المواقف الأخيرة للبطريرك الماروني، ويستمع إلى كلام الأمين العام لحزب الله في يوم القدس. قبل أن يطلق العنان لإسقاطه الشخصي المتخيّل: لو كنتُ مكان البطريرك…
ليس الحزبيّ من المنتمين «سياسياً» إلى طائفته، ولا إلى طائفة ما. فهو خرج منذ زمن من حزبيته إلى نطاق أوسع. لكنه ابن بيئة تعرف وجدان بكركي، وتحفظ هواجسه وتجيد لغته. لذلك كان قادراً على صوغ ذلك الإسقاط بسهولة، بسلاسة، بطلاقة المقتنع، أو حتى «المؤمن».
لو كنتُ محل البطريرك، لأعلنتُ فوراً، من دون تردد، تأييدي الكامل لكل حرف قاله نصر الله.

أصلاً، وفق منطق بكركي وأهل بكركي و«مخاوفها» و«ضماناتها»، كيف يمكن فهم المشهد السياسي في كامل منطقتنا اليوم؟ إنه بكل بساطة استمرار، بل تطور لافت ومفصلي للصراع العربي ـــــ الإسرائيلي. وفي هذا الصراع ثمّة تطوران أساسيان: الأول هو تحوّل قسم من أنظمة المنطقة إلى تبنّي وجهة النظر الأميركية في الصراع. والتطور الثاني هو تمكّن القسم الآخر الممانع والمقاوم، من تحقيق ما هو أبعد من توازن الرعب مع إسرائيل، وصولاً إلى تسجيل النقاط في المعركة معها.
يستدرك منهجياً بالقول: لست من دُعاة هذا الواقع القائم، لكن قراءته موضوعياً تفرض الملاحظة أن ثمّة تنافساً يعيشه الشرق الأوسط بين حالتين: سُنّية وشيعية، على قيادة المنطقة وزعامتها، انطلاقاً من مصير الصراع مع إسرائيل بالذات. الحالة السّنية، وهي حالة أنظمة لا شعوب، تراهن على ربح المواجهة عبر التسوية، برعاية أميركية، لتصير بعدها القوة الإقليمية العظمى. فيما الحالة الشيعية، شعوباً وأنظمة، اختارت طريق المواجهة.
ماذا يفعل البطريرك وسط هذه الدوامة؟ عملياً لا شيء. لا بل يرتب على جماعته و«كيانه» أخطاراً وسلبيات. فهو يبدو في مواقفه، ملحقاً لمعسكر التسوية، مستتبعاً مع فريقه الداخلي لا غير. وهو في هذا النطاق الضيّق، لم يكوّن محوراً دولياً، ولا محوراً مؤثراً، ولا حتى محطة أخذ رأي أو استئناس بخاطر، من الفريق الداخلي ـــــ الإقليمي ـــــ الدولي، الذي يمثّل خيار التسوية.




في المقابل، ثمّة خيار آخر، هو خيار المواجهة. وهو لا يتطلب من البطريرك شيئاً، ولا يطلب منه أي التزام أو جهد أو ثمن. ثمّة خيار آخر، يتسم بعوامل ثلاثة: أولاً مناصرته قضية محقة، هي القضية الفلسطينية. وهي مسألة أجمعت أدبيات الكنيسة العالمية على تأييدها ودعمها. ثانياً، سعي هذا الخيار إلى إيجاد حل عادل للاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان. وهو أمر مثّل تاريخياً مطلباً وهاجساً «كيانياً» لأهل بكركي. ثالثاً، يوفّر هذا الخيار حصانة «قومية» لجماعة البطريرك، كما إبقاءً لخطوط التماس الفعلية عند الحدود الدولية الجنوبية للبنان، لا في الداخل اللبناني، بين سُنّة وشيعة، أو بين المسيحيين وأي منهما، أو في الداخل المسيحي نفسه، كما بلغت الحال مراراً وعاشها البطريرك وعانى وعجز…
مقابل ذلك كله، ماذا يفعل سيّد الصرح؟ لا ينفكّ يُلحّ في السؤال عن سلاح حزب الله، فيما الكل من حوله انكفأ عن هذا السؤال، لحسابات، إمّا اقتناعية عامة، أو مصلحية خاصة.
هذا هو الخيار الصائب الوحيد لسيّد بكركي، إذا أراد مجانبة الكارثة. الباقي أوهام، أو قصور في النظر، أو قصر في النفس. خيار وحيد على خلفية استراتيجية بعيدة المدى قوامها ركيزتان: أولاً اندماج المسيحيين في محيطهم المشرقي، وخروجهم من عقدة «تغرّبهم»، وبالتالي غربتهم، سبيلاً إلى الهجرة النهائية. وثانياً الرهان على انبلاج مناخ الديموقراطية الحقيقية في الفكر السياسي المتحكّم في شعوب المنطقة. في المقابل، ماذا يفعل البطريرك؟ يندفع أكثر فأكثر نحو «التغرّب»، خلافاً للإرشاد الرسولي، ويدعو إلى ديموقراطية الأكثرية والأقلية، خلافاً لمنطق أهله الخاص.

لماذا لا تبلغ البطريرك مباشرة هذا الرأي؟ قطعت الأمل من زيارة بكركي منذ زمن، يجيب صاحبه. لكن هذا الكلام يجب أن يقال للبطريرك، وأن يناقش معه، إذا كان يسمع ويناقش