هل يجيز الدستور لسليمان المشاركة في التأليف؟ – ادمون صعب – النهار

 
"في الماضي كان الموارنة وحدهم، وكان البطريرك يمثّل كل شيء. ولكن عندما حصلنا على جمهوريتنا واستقلالنا تبدّل عمل البطريرك ودوره. فأنا رئيس كنيسة ولست زعيم طائفة".
البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش

ماذا حصد النائب سعد الحريري من 80 يوما من التكليف ومحاولة التأليف، ثم الاعتذار عن عدم التكليف، وصولا الى التكليف الجديد للتأليف؟
وأي دور كان لرئيس الجمهورية ميشال سليمان في ما جرى. وقد كان الرئيس المكلف يردد أنه سيحترم الدستور ويؤلف حكومة بالتعاون، او التفاهم، مع رئيس الجمهورية في ضوء اتفاق الطائف نصا وروحا، في مواجهة الاطراف الذين أرادوا فرض "دفتر الشروط"، بحسب تعبير الحريري نفسه في بيان القبول بالتكليف الثاني؟
وهل شارك الرئيس سليمان الرئيس المكلف حقا في التأليف وفشلا معا، لذلك لم يطلب من الحريري التريث في الاعتذار، كما لم يرفض الاعتذار أملا في فرصة اضافية؟




الواقع أن ليس في النص الدستوري ما يجعل رئيس الجمهورية شريكا في عملية التأليف، وكل ما هناك هو أن الرئيس المكلف يعرض التشكيلة على رئيس الجمهورية الذي يصدرها "بالاتفاق معه" في مرسوم. ولم يسبق أن أعلن أن الحريري قد طلب الاجتماع بالرئيس سليمان لاطلاعه على حصيلة المشاورات وأنهما جلسا حول طاولة عمل وفلشا الاوراق وقاما بعملية شبيهة بلعبة "المونوبولي"، فقلّبا الاوراق وتناولا أقلام الرصاص والمماحي وراحا يدونان الأسماء، ويشطبان، ويبدلان الحقائب والاسماء، ويتداولان الأسس والمبادئ التي تعتمد عادة في التأليف، ويتبادلان الآراء في الاعتبارات التي يجري بموجبها تصنيف الحقائب سيادية وعادية، ثم يستعينان بذوي الخبرة في التأليف ولعل أقدمهم من الذين منحهم الله عمرا هو الرئيس رشيد الصلح الذي كان يغبطه ربما ان يزوره الرئيس المكلف في منزله ويعقد معه جلسات ويسأله ان يخبره مثلا كيف حُلّت عقدة تعيين نجل الرئيس سليمان فرنجيه طوني فرنجيه وزيرا للاتصالات في حكومة الرئيس فرنجيه الاولى، اثر تمسك الرئيس المكلف تأليف الحكومة آنذاك صائب سلام برفض توزير الابناء، ثم اعتذاره عن عدم متابعة التأليف بازاء اصرار الرئيس فرنجيه على نجله وفي الاتصالات بالذات وكانت آنذاك وزارة البرق والبريد والهاتف، مع أن سلام كان من أقوى حلفاء الرئيس فرنجيه ومن أقرب القريبين منه شخصيا وسياسيا، إذ خاضا معا معركة شرسة ضد المكتب الثاني. ولكان الرئيس الصلح أدهشه بـ"التخريجة" البسيطة التي اخترعها واستوحاها من "العبقرية" التسووية اللبنانية إذ وضع شرطا على الرئيس فرنجية لقبول التكليف هو: توزير طوني فرنجيه!

ولكانا ربما استدعيا الرئيس حسين الحسيني وسألاه عما يقول الطائف في دور رئيس الجمهورية في عملية تأليف الحكومة، وهل هو شريك للرئيس المكلف، أم هو من يصدر مرسوم التشكيل بعد "الاتفاق" مع الرئيس المكلف، وأن أقصى ما يستطيعه هو رفض اصدار المرسوم اذا لم تكن التشكيلة تتمتع بالشرعية الدستورية الميثاقية، أي اذا لم تتمثل فيها القوى السياسية والطائفية الرئيسية بطريقة عادلة ومتوازنة تعكس الواقع السياسي والعيش المشترك مما يؤهلها لنيل ثقة مجلس النواب.
ولربما ردد الرئيس الحسيني أمامهما ما أعلنه في افتتاح اجتماعات الطائف في 30 ايلول 1989: "لسنا هنا لنأخذ من فئة لنعطي فئة. بل نحن هنا لنأخذ من كل الفئات لنعطي دولة واحدة لكل اللبنانيين. ولسنا هنا لنرضى بأن تكون فئة من اللبنانيين مظلومة وأخرى ظالمة، فئة محرومة وأخرى حارمة. فئة حاكمة وفئة محكومة. فئة خائفة وفئة مخيفة. ولسنا هنا لنستغل قضايا الشعب من وحدة وتحرير وعدالة ومساواة من أجل مصالح فئوية او حزبية أو شخصية".

إذ لو أصغيا الى الرئيس الحسيني واستوضحاه دور الرئيس المكلف في التكليف لكانا عرفا أن كون الرئيس المكلف سنّياً، بحسب الطائف الذي ثبّت طائفية الرئاسات، لا يعني أن مؤسسة مجلس الوزراء باتت مؤسسة سنية او حصن السنة، وأن أي مطالبة لرئيس مجلس الوزراء السني بحقوق لطوائف أخرى، أمسيحية كانت أم شيعية أم درزية، هي انتقاص من حقوق الطائفة السنية التي باتت "تملك" مؤسسة مجلس الوزراء كما "تملك" الطائفة الشيعية مؤسسة مجلس النواب، ومن دون ان يكون للمسيحيين مؤسسة معينة مسجلة على اسمهم باعتبار ان رئاسة الجمهورية لم تعد ترمز الى السلطة الاجرائية كمؤسسة، بل اصبحت موقعا يشغله مسيحي ماروني أعطي "صلاحيات" عمومية معدومة الفاعلية في وجود من يتمسك بالمؤسسات الرئيسية على أنها ملك له او للطائفة التي ينتمي اليها، وإلا كيف نفسّر ذلك الفيض من الكلام حول الانتقاص من حق الرئيس المكلف في التأليف من جانب أطراف رئيسيين لدى الشيعة والمسيحيين، وتجييش السياسيين ورجال الدين السنة للوقوف وراء الرئيس المكلف وكأن حقوق الطائفة كلها مهددة بعدما أخذ الطائف بكل "طيبة خاطر" صلاحيات وحقوقا مسيحية كان يتمتع بها رئيس الجمهورية وحوّلها الى مجلس الوزراء، أي للدولة وليس لطائفة معينة، وإن يكن رئيس مجلس الوزراء من طائفة معينة هي الطائفة السنية.
وكان الرئيس ميشال سليمان قد أدرك غموض دوره كما رسمه له الطائف، وخصوصا في التأليف، فلم يتردد في الخطاب الذي ألقاه في الاول من آب لمناسبة عيد الجيش في ثكنة الفياضية في الدعوة الى تعديل الدستور، الامر الذي يثير حساسيات طائفية ومذهبية اسلامية، وسنية تحديدا، حين قال: "(…) اذا كانت العلة فينا كمسؤولين فلنذهب. واذا كانت في الدستور فلنعمل على تعديله أو تصحيح ما يعتريه من شوائب وضمن روحية الطائف بما يكفل التوازن بين السلطات".

واذا كان الرئيس المكلف يحترم الدستور ويطبّقه باشراكه رئيس الجمهورية في التأليف، فعلى الذين يرون هذا الرأي الا يضعوا الرئيس الماروني في مواجهة المسيحيين الآخرين في المعارضة ومعهم الشيعة، وأن يصغوا الى شكوى الرئيس من النقص في دستور الطائف الذي يهمّش دوره ويقيده بينما يطلق يدي الرئيسين المحمديين. فهو قال في المناسبة عينها: "لا مبرر لأن يتملكنا خوف أو تردد أو خشية من المحظور في مقاربة الغاء الطائفية السياسية، كما يجب ألا تكون لدينا خشية من مقاربة موضوع الاشكالات الدستورية التي ظهرت خلال الازمات التي واجهها لبنان خلال السنوات الماضية في شأن دور رئيس الجمهورية والمسؤوليات الواضحة التي يجب ان تلقى على عاتقه كي يتمكن من ادارة البلد واخراجه من مأزق التجاذبات المعطّلة لمصالحه ولشؤون المواطنين. وما يدفعني الى طرح هذه النقاط والتساؤلات هو وفقا لأحكام الدستور بالذات مسؤوليتي كرئيس للدولة تجاه شعبي وبخاصة ونحن نجري المشاورات لتأليف حكومة جديدة تعكس وحدة اللبنانيين وروح المشاركة الحقيقية. ودور رئيس الجمهورية هو الضامن لهذه المشاركة الى جانب دوره كحام للدستور".

فهل يستطيع رئيس الجمهورية عمليا ان يكون شريكا ضامنا لا شريكا مضاربا في تأليف الحكومة والمحافظة على وحدة اللبنانيين؟
وهل يرضى الفريق الذي يمثله الرئيس المكلف، سياسيا وطائفيا ومذهبيا، بهذه المشاركة؟
لقد تذرع الرئيس المكلف بأنه سيؤلف الحكومة بحسب الدستور ولن يخرج عليه أو يستسلم أمام الشروط "التعجيزية" للمعارضة، ولكن هناك من يدفعه الى مجازفة خطرة، من خلال الخطب التي كُتبت له في الافطارات وخصوصا في الأيام التي تلت اعتذاره عن عدم التأليف، وانتهت بــ"دخوله في الزجاج"!
فيوم الأحد الماضي بدأ التصعيد في لهجة الحريري حين استبق الاستشارات بقوله: "من يريد أن يسمي سعد الحريري فليفعل، وسأتعامل معه كما تصرف معي بعدم تسميتي".
واعتبرت المعارضة أن الحريري يطلب النزال معها في الاستشارات ويحرضها على عدم تسميته متوعداً الذين لن يسموه.
وجاءه الرد سريعا في اليوم التالي من الرئيس نبيه بري الذي كان تطوع لمساعدة الحريري هو ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. فقالت كتلته إنها "لا تخضع لأي تهديد"، وقررت "التروي في تسمية أحد لتشكيل الحكومة حتى يصدر موقف واضح وعلني لا لبس فيه بالتزام حكومة وحدة وطنية على قاعدة 15 – 10 – 5".
فرد الحريري بمزيد من التصعيد مكررا: "اذا أراد أحدهم أن يسميني فليفعل، وإن لم يرد فهو حر في تصرفه، وأنا حرّ في كيفية تصرفي".
… وكانت المحاسبة قاسية، إذ امتنع نواب الشيعة عن تسمية الحريري، وكذلك نواب كتل عون وأرسلان وفرنجيه مما أربكه، فاصطدم رأسه بالزجاج واستيقظ على المأزق الذي أوقعه فيه غلاة الموالين وكتبة الخطب المهتاجون الذين أرادوا له الاصطدام بالمعارضة وانفكاك بري وجنبلاط من حوله بحيث يسهل توجيهه نحو حكومة أكثرية "تترجم نتائج الانتخابات" وكأن هذه الترجمة تنطبق على الاكثرية دون المعارضة التي لا يُحسب الفارق في المقاعد بينها وبين الاكثرية بأنها أقلية.
وإذ صحا ليلة التكليف من هول الصدمة، تراجع قليلا متخذاً موقفا تصالحيا بقوله: "أنا لست مستاء لأنهم لم يسموني (…) وبعد أن يتم التكليف سأعود الى تقليل الكلام وسأعود الى مسيرتي السابقة وأجري مفاوضات بهدوء وحكمة، ولكن ضمن الدستور".

وبدا يوم التكليف كأنه تواصَلَ مع والده الشهيد رفيق الحريري ليلا في عليائه فحذّره من بعض "البطانة" ونصحه بتغيير كاتب خطبه. وربما سمّى له واحدا من أخصّائه الأوفياء. إذ قال الحريري الشاب إرثر التكليف إنه يشكر الذين سموه كما يشكر "كل من حجب صوته عن ترشيحي في اطار الاعراف والأصول الديموقراطية، لأن من شأن ذلك أن يُعطي صورة واضحة عن الواقع النيابي". وأعلن انه سيجري "مشاورات واسعة تشمل الجميع، وسأكون فيها منفتحا على كل الافكار، وأعمل على ارساء قواعد سليمة لحوار منطقي ومسؤول (…)".
وأتبع ذلك في المساء بكلام أكثر عقلانية بتأكيده أنه سيعمل "للمحافظة على مسيرة الشهيد رفيق الحريري"، وقال: "أتذكر أن رفيق الحريري استطاع أن يحقق بالتعاون والحوار كل ما أنجزه في الحكومات السابقة ولم يكن معه فيها سوى نفسه". وأضاف: "سأقوم بالمشاورات بحسب الدستور واحتراما للدستور ولخيارات الناس وعقولهم ايضا (…) ونتكلم مع الجميع لكي لا يقول أحد إننا لم نتكلم معه. ولكن هذه المرة سيكون بالي طويلا، وأطول من المرة السابقة".
… وقولوا ان شاء الله.