بين الحريري الأب والحريري الابن: تكليف قبل التأليف أم تأليف قبل التكليف؟ – نقولا ناصيف – الأخبار


لا يبدو الرئيس المكلف سعد الحريري في صورة الرئيس رفيق الحريري. تختلف تجربته المحدثة عن تجربة والده الراحل في أكثر من مظهر، وقد استعاد الأربعاء الطريقة التي قال إن الأب كان يتبعها في حكوماته بالتعاون والحوار.
الحريري الابن يجبه ما جبهه الحريري الأب في آخر اعتذار له عام 2004، عندما سعى إلى التأليف قبل التكليف وجهاً لوجه مع رئيس الجمهورية. وهي حال الابن في أول امتحان له لدخول رئاسة الحكومة. ضَمَن التكليف مرتين معوّلاً على غالبية نيابية يتزعّمها، من غير أن يضمن التأليف.
على مرّ تجربة والده بين أولى حكوماته عام 1992 وآخرها عام 2003، قلّما اصطدم بأزمة حكومية حادة كالتي يشهدها ابنه، وهو يجد نفسه بين مشروعين سياسيين متناقضين ينتمي إلى أحدهما، وكلاهما يرفض الآخر. مع أن الأفرقاء الحاليين، في معظمهم، هم أنفسهم في ذلك الوقت، وبينهم حلفاء دمشق. لكن انهيار مرجعية سوريا في لبنان عام 2005 شتّتهم بين مَن انقلب عليها ومَن لا يزال يعتبر نفسه حليفاً لها.

منذ التسعينات وحتى 2005، اضطلعت سوريا بدور هضم تناقضات هؤلاء الأفرقاء وأخصّهم الحلفاء، فوفّرت توازن قوى يأخذ في الحسبان موقع كل منهم لديها ومصالحه، مع تثبيت حرصها على هذا التوازن. لم يختلفوا على السياستين الداخلية والخارجية الواقعتين تحت نفوذ دمشق، وحصروا اهتمامهم بالمناصب ومراكز النفوذ والحصص في الحكم والإدارة. انطبق ذلك على رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة، وعلى النواب ميشال المرّ ووليد جنبلاط وسليمان فرنجية وطلال أرسلان وأسعد حردان والنائب الراحل الياس حبيقة. كان الحريري الأب في صلب هذه المعادلة التي أتاحت له، عبر علاقات مميّزة جمعته بنائب الرئيس عبد الحليم خدّام ورئيس الأركان العماد أول حكمت الشهابي في سوريا، واللواء غازي كنعان في عنجر والعميد رستم غزالة في بيروت، إزالة العراقيل من طريقه واحتواء الوزراء بمَن فيهم خصومه، وخصوصاً عندما كان يختلف مع بعض هذا الرعيل عند تأليف الحكومة أو بسبب سياساتها. لكن التنافس بقي في دائرة التحالف مع دمشق وتحت سقف مرجعيتها. كان المسؤولون السوريون يطفئون خلافات الأفرقاء، وبعضها أشعلوه لإبقاء التجاذب في صلب التوازن الداخلي. فلم تتولد أزمة في أي من الحكومات الـ6 للهراوي منذ 1989، والحكومات الـ4 للحود حتى 2005. لم تحتج سوريا إلى ثلث معطل، لأن الثلثين كانا في حوزتها. ولم يحتج الحريري إلى غالبية تدعمه لأن المرجعية ظلّت هناك. كانت الحكومة الجديدة تطبخ قبل استقالة الحكومة السابقة، ويضع الحريري مسودتها بعد توزيع المقاعد على الحلفاء الرئيسيين، فيسمّون ـــــ أو تسمّي دمشق أحياناً نيابة عنهم ـــــ الوزراء، بعد إشباع المسودة درساً.




حالتان فقط واجه فيهما أزمة حكومية في عهد الرئيس لحود، بعيد انتخابه 1998، وبعيد تمديد ولايته 2004. في الأولى، رغب الرئيس حافظ الأسد أن يكون الحريري شريك لحود في العهد الجديد، موزّعاً عليهما مسؤوليات السياسة والأمن والاقتصاد، وثق بهما لأنهما حليفاه. لم يكن ذلك موقف لحود، فنشب خلاف بينه والحريري على نتائج الاستشارات النيابية الملزمة التي أعطت الزعيم السنّي 63 صوتاً، أضاف إليها الرئيس برّي أصوات كتلته الـ19 فارتفع الرقم إلى 83 صوتاً، بينما فوّض 31 نائباً إلى لحود تجيير أصواتهم، فوضعهم في سلة الحريري. ولأن ليس لهم تجييرها، عدّ الحريري الحساب مخالفة، وتصرّف الرئيس خرقاً دستورياً.ردّ لحود إذ وجد موقف الرئيس المكلف اعتذاراً عن عدم تأليف الحكومة، فاستبقه بأن أصدر بياناً بالاعتذار، فيما الحريري في طريقه إليه صباح 30 تشرين الثاني لتقديم الاعتذار. ساء الحريري أن لا يُكلف بإجماع نيابي مماثل للذي انتخب لحود رئيساً بالنواب الـ118 الذين اقترعوا له. كان بين الرجلين نفور منذ عهد الرئيس الهراوي، مرده إلى جهود الحريري لدى خدّام والشهابي لتمديد ولاية رئيس الجمهورية، وكذلك إلى طبائعهما المتناقضة ونظرتهما المتعارضة إلى طريقة الحكم. أضف أن الحريري لم يتلقَّ ضمنياً بترحيب قرار الأسد انتخاب لحود رئيساً. هكذا اختلفا على التكليف قبل التأليف.

لكن الأزمة الثانية كانت أشدّ وطأة. بعد التمديد للحود اعتبرت حكومة الحريري في حكم المستقيلة. لم يدعُ الرئيس إلى استشارات ملزمة، فمرّت أيام طويلة غداة التمديد في 3 أيلول 2004 حتى 20 تشرين الأول، انفجر أثناءها خلافهما مجدّداً دون أن يصطدم الحريري بفيتو سوري على ترؤسه الحكومة: لحود يريد تكليفاً قبل التأليف، والحريري تأليفاً قبل التكليف يوازن به بين التمديد الذي تحفّظ عنه، وحجمه في الحكومة الجديدة كي يكون شريكاً فعلياً للحود في السلطة. دارت حينذاك مفاوضات بين الرجلين عبر المدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيّد، وغالباً ما أوفد الحريري إلى الأخير مرافقه المقدّم وسام الحسن للاطلاع على التقدّم، ودفع دمشق إلى التدخّل لإنجاز اتفاق حول تأليف يسبق التكليف.

لم تستجب تحت وطأة التمديد والقرار 1559 الذي حسبه حلفاؤها عصا غليظة تستهدف دور سوريا في لبنان. أبلغ السيّد إلى الحريري موقف دمشق: لا وساطة بينه وبين لحود، ودعتهما إلى الاتفاق، وتبنّت وجهة نظر الرئيس بأولوية التكليف على التأليف. عندئذ ربط الحريري في بيان 20 تشرين الأول بين استقالة حكومته وعدم رغبته في تكليفه، وخاطب اللبنانيين بالعبارة الشهيرة «أستودعكم الله لبنان الحبيب». ظهر ذلك اليوم، اتصل بالسيّد وسأله هل البيان يزعج السوريين؟ رد بالنفي: «لم تقصدهم، ولكنه يزعج لحود». لم يكترث الرئيس المعتذر، فقال عبارة أبرَزَت ارتياحه إلى عدم انزعاج سوريا، وأيضاً ارتياحه أكثر إلى انزعاج لحود.