السفير الأميركي سيعود الى دمشق – سركيس نعوم – النهار


نشرت وسيلة إعلامية عربية قبل ايام خبراً بدّد "قلق" اخصام سوريا من اللبنانيين الخائفين دوماً من "أطماعها" في بلادهم، لكنه أثار في الوقت نفسه "قلق" انصارها في لبنان و"متبنّي" سياستها "القومية" في نظر البعض والطامعة في نظر البعض الآخر. الخبر كان ان العلاقة بين سوريا بشار الاسد واميركا والتي كانت بدأت سلوك طريق التحسن عقب تنفيذ الرئيس الاميركي باراك اوباما سياسة الحوار معها واتخاذه قراراً بإعادة سفير بلاده الى دمشق بعد سحبه قبل سنوات ورفع عدد محدود من العقوبات التي فرضتها عليها الادارة الاميركية السابقة – هذه العلاقة بدأت تعود الى حال البرودة او الفتور. وهي قد تشهد توتراً من جديد. ودعمت الوسيلة الإعلامية المذكورة خبرها بمعلومة قالت انها استقتها من مصادر موثوق بها تفيد ان ادارة اوباما جمّدت تنفيذ قرار إعادة السفير الأميركي الى دمشق. وعزت التغيّر المذكور الى عدم رضا واشنطن  عن التصرف السوري حيال لبنان الواقع في ازمة حكومية، بل في ازمة حكم ونظام وصيغة، وحيال العراق.

ما مدى صحة خبر الوسيلة الإعلامية العربية المفصل اعلاه؟
تعترف مصادر ديبلوماسية غربية مطلعة، بعضها اميركي، بأن اللبنانيين الذين ارتاحوا الى تخلّص بلادهم من الوصاية السورية ساورهم القلق من عودة "الجودة" الى العلاقة بين دمشق وواشنطن. اولاً، لأنه في ظلّها سابقاً "لزّمت" اميركا وعربها والمجتمع الدولي لبنان لسوريا.
وثانياً، لأن مبررات "التلزيم" لا تزال موجودة، وهي تحوّل طوائفه ومذاهبه شعوباً بل امماً لم يتورع كل منها ولن يتورع عن الاستعانة بكل أنواع الخارج بغية مساعدته على السيطرة على البلاد وحكم الشعوب الأخرى. وثالثاً، لأن لبنان في النهاية ليس مصلحة حيوية اميركية، ولأن اليأس منه او الإحباط قد يتجدّد عند اميركا اذا استمر ابناؤه المنقسمون على لامسؤوليتهم، واذا قضت مصالحها الاستراتيجية في الشرق الاوسط بذلك. ومن شأن ذلك ان يدفعها الى سياسات قد لا تكون المصالح الوطنية للبنان في مقدمها.
وتعترف المصادر نفسها بأن اغلى "امنية" عند حلفاء سوريا من اللبنانيين هي تحسّن العلاقة بين دمشق وواشنطن، بل تحولها علاقة تعاون وتنسيق وتحالف رغم شتمهم اياها ليل نهار واعتبارها مسؤولة عن كل مصائب المنطقة وشعوبها، وهي مسؤولية لا يمكن انكارها، مثلما لا يمكن انكار ان المنطقة بأنظمتها والدول، كما المجتمع الدولي، تشارك اميركا في هذه المسؤولية. والعامل الكامن وراء "امنية" كهذه هو اقتناع حلفاء سوريا بأن العلاقة الجيدة، وربما التحالف السوري – الأميركي يمكّنهم من تحقيق اهدافهم المحلية، كما يمكّن سوريا من تثبيت نفسها نظاماً وموقعاً ودوراً، ومن تحقيق اهداف "وطنية وقومية" اهمها استعادة اراضيها المحتلة من اسرائيل.




الا ان الاعترافين المذكورين لا يعنيان، في رأي المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة نفسها وبعضها اميركي، ان ما نشرته وسيلة الإعلام العربية صحيح. فالعلاقة بين دمشق وواشنطن لم تصبح حارة او حميمة بعد كي يقال انها عادت الى حال البرود او الفتور. فهي قائمة على مستوى سفارة مفتوحة وقائم بأعمال يديرها. لكنها باردة او فاترة على مستوى العلاقة القائمة بينها وبين المسؤولين المعنيين في النظام السوري، الأمر الذي يجعل عملها روتينياً ولا يسمح بتحقيق اختراقات تسهّل استعادة "تاريخ" طويل من التعاون والتنسيق بين البلدين ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد. وهي غير مرشّحة للتوتر على الأقل في المرحلة الراهنة او حتى في المستقبل المنظور، الا اذا قامت سوريا بعمل ما أو اتخذت مواقف من شأنها فرض امر واقع مرفوض لبنانياً وعراقياً وعربياً وماسٍّ بالمصالح الاميركية. ولا يبدو ان سوريا بشار الاسد ستقدم على هذا الأمر حالياً، رغم ان شعورها بقوتها او تنامي قوتها لا يزال على حاله، وكذلك مواقفها المبنية على هذا الشعور والممارسات.

اما بالنسبة الى الغاء قرار اعادة السفير الاميركي الى دمشق، فهو غير صحيح على الاطلاق، استنادا الى المصادر اياها، فوزارة الخارجية في واشنطن لا تزال تبحث عن الديبلوماسي الانسب لتمثيل بلاده في سوريا في هذه المرحلة، وهو امر ليس سهلاً ولا سريعاً كما يعتقد البعض في العالم الثالث الذي يشمل "بنعمه وبركاته" العالم العربي كله، ذلك ان الديبلوماسيين يملكون نوعاً من حرية الاختيار، وهذا يعني ان في وسع من لا يريد منهم "الاستقرار" في سوريا لسنوات ثلاث على الأقل ان يقول "لا" لادارته من دون ان يخشى تأديباً او فصلاً او سجناً او تأخيراً في الترقية او إبعاداً الى عاصمة مملة ونائية، كما هي العادة في العالم الثالث المشار اليه، وكثيرون قالوا "لا" حتى الآن لاسباب متنوعة، منها اقفال مدرسة كان يتعلم فيها ابناء الديبلوماسيين الاميركيين بقرار من "نظام دمشق". الى ذلك كله هناك الآلية التي تتضمن الاختيار وابلاغ سوريا ترشيح من وقع عليه الاختيار وانتظار موافقتها عليه ثم الحصول على موافقة مجلس الشيوخ على خدمته سفيراً لبلاده في سوريا.
ويعني ذلك في اختصار ان ادارة اوباما سترسل سفيراً لها الى دمشق في مستقبل غير بعيد… الا اذا طرأت ظروف او حصلت مستجدات تؤخّر ذلك او تلغيه، لكن وصول سفير اميركا الى دمشق لا يعني انه سيكون قادراً على انجاز ما تتوقعه منه ادارته. وقدرته هذه ستبقى رهن انفتاح "الادارة السورية" عليه، وفتح الابواب امامه، سواء في وزارة الخارجية او في القصر الرئاسي، والعمل المشترك لإقامة "علاقة عمل" جيدة بينه وبين "الادارة" المذكورة.

وفي انتظار ذلك قد تبطّئ واشنطن ايقاع حوارها مع دمشق وقد تسارع الى افهامها ان اغراءها بصفقة على حساب لبنان سيكون في غير محله وأنها ستستمر في اثارة كل القضايا المختلف عليها معها بقطع النظر عن المُحاور الاميركي ومن ضمنها حقوق الانسان في سوريا.