محور صفير ــ عون ينفجر ولا ينقطع – نادر فواز – الأخبار

تميّز البطريرك الماروني، نصرالله صفير، بأدائه الوسطي والهادئ منذ 2الجاري، يوم إطلاق النداء العاشر للمطارنة الموارنة. تسرّع البعض، بعد ساعات من ذاك الإعلان، إلى القول إنّ صفير يمكن أن ينسف هذا النداء الهادئ خلال عظات الأحد. إلا أنّ العكس حصل، وانتهج البطريرك أسلوب مجلس المطارنة وابتعد عن الدخول في الشأن السياسي إلا من باب «النق» العام على الوضع السياسي. صمد صفير في حياده لأسبوعين كاملين، إذ اعتبر البعض أن البطريك الماروني قد كسر أمس «وسطيّته» في موقف «معادٍ» لتوزير الخاسرين في الانتخابات، يحمل في طيّاته، ولو أنه لم يشر إلى اسم محدّد، هجوماً على الوزير جبران باسيل. وسريعاً جاءه الرد من رئيس تكتل الاصلاح والتغيير النائب ميشال عون الذي قال إن «البطريرك صفير انضمّ إلى حزب القوات اللبنانية وأنطوان زهرا».
لم يسجّل صفير موقفاً صارماً من هذه العملية، إلا أنه اعتبر أنها مسألة «عليها علامة استفهام»، على اعتبار أن توزير الراسبين «معناه الذهاب ضد الرأي العام الذي لم ينتخبه». وأشار صفير إلى أنّ هذا الأمر «يتّفق عليه، فإذا كان هناك اتفاق على توزير الخاسرين فليكن».
أما قوله إنّ الديموقراطية لا يمكن أن تقوم «عندما تكون هناك مقاومة»، فيبدو أنه سينهي «الهدنة الكنسية».
بذلك، يكون البطريرك قد تخلّى عن مجموعة من العبارات التي استعان بها خلال 14يوماً الماضية، مثل: «الضرورة الوطنية تقضي تجاوز السياسيين مصالحهم الفئوية والخاصة، والالتفات الى المصلحة الوطنية العليا في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ لبنان والمنطقة» (12 أيلول)، أو «الايمان المسيحي هو بحد ذاته غير سياسي وهو لا يدعي السلطة السياسية» (13 أيلول).
وعلى الرغم من ذلك، سعى صفير أمس إلى التأكيد على حياد صرحه فقال إنّ «بكركي هي لكل الناس، والذين يأتون إلينا اهلا وسهلا بهم، واذا لا يريدون المجيء فلا احد يجبرهم على ذلك».
ويرى البعض أنّ المواقف الجديدة القديمة لصفير نسفت، إضافةً إلى «وسطيته المرحلية»، مجموعة من اللقاءات التي كانت تحضّر بين العونيين والكنيسة. فيكشف أحد المطّلعين على حركة بكركي عن أنّ الاتصالات على هذا الصعيد جرت على مستويين إثنين: الأول سياسي بين نائب من تكتل التغيير والإصلاح من جهة وصفير وعدد من معاونيه من جهة أخرى، والثاني اجتماعي قائم على التواصل بين مسؤولين في التيار الوطني الحرّ وعدد من الكهنة الموارنة.
ويشير المطّلع نفسه إلى أنّ العونيين الساخطين على مواقف صفير الجديدة فقدوا الأمل في إمكانية إصلاح الأمور بين الرابية ورأس الكنيسة، على الرغم من توصّل الاتصالات السياسية بين الطرفين إلى مراحل إيجابية نتيجة اجتماعات عدةّ أجريت بينهما خلال الشهر الماضي. مع العلم أنه كان من المقرر أنّ يعلن عن هذه الخطوات الأسبوع الماضي، إلا أنّ اعتذار الرئيس المكلّف سعد الحريري حال دون ذلك. فيظهر أنّ الأجواء توتّرت من جديد. وبات معلوماً أنّ مندوب التيار إلى بكركي، قدّم إلى البطريرك وثيقة من أربعة بنود تشكّل منطلق الثوابت بين القوى المسيحية، وعناوينها الأساسية: حصر الخلاف بين القوى المسيحية في المضمون السياسي والتأكيد على عدم تأثير الخلاف والحوار سلباً في العلاقات؛ آلية انفتاح المسيحيين على الفئات الأخرى المكوّنة للمجتمع اللبناني؛ رفض التوطين وإقرار أسس واضحة لمنح الجنسية اللبنانية للأجانب: وأخيراً وليس آخراً، إعادة النظر في اتفاق الطائف وتعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية.
وبالرغم من كون هذه العناوين جامعة للقوى المسيحية، إلا أنّ الوحدة لا تغدو كونها صورية، على اعتبار أنّ موقفاً سياسياً واحداً يمكن أن «يفجّر» الوفاق بين القوى.

في الوقت ذاته، يؤكد المطّلع على أنّ التواصل بين بكركي والرابية، الذي كان يتولاه النائب إبراهيم كنعان، سيستمرّ. ويشير إلى وجود موقفين في الصف العوني، الأول يدعو إلى استيعاب مواقف صفير؛ والثاني يدعو إلى الدفاع عن النفس في وجه تسييس مواقف الكنسية. وعن الأجواء العونية أيضاً، يقول المطّلع إنّ هؤلاء يناقشون الظروف التي أطلق فيها صفير مواقفه أمس، فيشيرون إلى مجوعة من العوامل التي أدّت إلى هذا الموقف السلبي من باسيل والتيار، ومنها: أولاً، ماكينة مسيحيي قوى 14 آذار التي تلتقي صفير كل يوم، وتحتجّ على أداء التيار وحلفائه وتركّز على تعطيل عملية تشكيل الحكومة؛ ثانياً، حركة السفارات والديبلوماسيين تجاه بكركي أو الديمان. مع العلم أنّ السفيرة الأميركية زارت صفير خلال الأيام الماضية؛ ثالثاً، عدم تمكّن مجموعة من المطارنة، الذين يؤيّدون تحسين العلاقة بين الرابية وبكركي، من إيصال وجهات نظرهم من هذه العلاقة وتقديم قراءاتهم حول هذا الموضوع.
وينقل المتحدث عن أجواء العونيين، أنه «لا يجب بناء موقف سياسي على مجموعة من العوامل السلبية التي أدّت إلى هذه التوتّرات». يضيف: «من له مصلحة في تغذية حال عدم الحوار بين بكركي وبعض القوى المسيحية؟». ويشير المطّلع إلى أنّ صفير «ربما يكون بحاجة إلى شيء في المقابل ليتحمّل الضغط الأكثري والديبلوماسي»، ملمّحاً إلى حاجة البطريرك، في وقت سابق، إلى خطوة إيجابية من العماد عون تجاه رأس الكنسية.





يبدو من ذلك أنّ التواصل السياسي سيستمرّ بين الطرفين، لكن ماذا عن التواصل على الصعيد الاجتماعي بين الرابية والكنيسة؟
يلتقي مسؤول في التيار الوطني الحرّ مطارنة وكهنة مطّلعين على أجواء الكنسية ووجهات نظرها من المواضيع كلها. يطرح المسؤول في هذه اللقاءات الكثير من علامات الاستفهام حول أداء الكنيسة على صعد الثقافة والاجتماع والتربية. إضافة إلى مواضيع أخرى، مثل تأثير مواقف بكركي على المسيحيين. فينقل أحد المطّلعين على هذه اللقاءات أنّ العونيين «يشبّهون البطريرك بالملك في لعبة الشطرنج. لذا، لا يجب أن يتحرّك على الرقعة السياسية، بل أن يحتمي بالجنود الذين يحيطون به». أو مدى جدوى وتأثير مصالحة الجبل (2001) والضغوط التي تمارس على بعض المؤسسات الكنسية في الشوف. وعلى الصعيد العام أيضاً، يطرح المسؤول العوني مع عدد من المطارنة الموارنة، موضوع انفتاح المسيحيين على الفئات الاجتماعية الأخرى.
ومن جملة النقد الذي يقدّمه العونيون لأداء الكنيسة، يشير المطّلع إلى أنّ المسؤول العوني تطرّق خلال اللقاءات إلى عملية القضاء على مفهوم المؤسسات الكنسية، وحصر القرار في مركز واحد والتواصل المباشر مع الناس بلا وسطاء ضروريين. يضيف: «سأل العونيون أيضاً عن موقف بكركي والكنيسة من المسيحيين العلمانيين، من شيوعيين وقوميين».
من جملة ملاحظات العونيين، بحسب المتحدث نفسه، غياب التنفيذ عن «السينودس والمجمع الماروني».
يتابع المطّلع أنّ اللقاءات تجري «على مستوى شخصي، وليس مطروحاً إعداد وثيقة حول التواصل الاجتماعي والثقافي بين الطرفين، إنما مجرّد تبادل للمعلومات ووجهات النظر حول هذه القضايا».