أين تقع صبرا وشاتيلا.. وأين يقيم الشهداء؟ – نصري الصايغ – السفير

تدافع اسرائيل عن الذاكرة اليهودية، بما يشبه الحرب المقدسة. الذاكرة اليهودية لا تمس. قدس التاريخ المعاصر والمقدس. من يجرؤ على تشبيهها بغيرها من المجازر، ملعون ومدان. في العالم محرقة واحدة، وما عدا ذلك لا يقارن بما كابده اليهود في الحرب العالمية الثانية.

حاشية أولى: أين صبرا وشاتيلا؟ هل لا تزال مدرسة بحر البقر في مكانها؟ متى أعيد بناء مصنع أبو زعبل؟ قانا لمرتين، متى أوان إعلان مزارها الالزامي؟ أين الذاكرة العربية؟




تقيم اسرائيل ومؤسساتها الصهيونية انتشارا دوليا، لحماية ذاكرتها، واستدرار المواقف والأموال، منجدة ما تبقى ومن تبقى من «الهولوكوست». كم نصبا؟ كم فيلما؟ كم مركزا للتوثيق؟ كم وسيلة إعلام؟ كم مؤسسة مدنية ـ فكرية للترويج للندم المفروض على الغرب؟ كم جائزة نوبل لكتاب عاديين استحقوا الجائزة بسبب نجاحهم في حماية الذاكرة اليهودية وابتعاثها؟

حاشية ثانية: اهتم كتاب وإعلاميون عرب بالدفاع عن براءة الألمان في المحرقة. دخلوا معركة تكذيب الهولوكوست. سالت محابر كثيرة. تدفق كلام كثير. وخسرنا المعركة. أنكرنا المحرقة، فيما لم نسع يوما إلى تثبيت معمودية فلسطين بكاملها بالدم.

تلزم اسرائيل زوارها الرسميين، بزيارة النصب التذكاري لضحايا المجزرة النازية. رؤساء جمهوريات ووزراء، يزورون «يدفشيم». يلبسون القلنسوة ويتلون الصلوات. تلاحق كل كاتب يتلفظ بكلمة نكران بسيطة ضد المحرقة. يدان من يقارنها بالمجازر الأرمنية. لا تعترف اسرائيل بما حصل للأرمن ولا تحضر المؤتمرات والحلقات التي تثير مسألة ارتكاب الاتراك مجازر ابادة بحق السكان الأرمن. ومؤخرا، صدر كتاب يضاف إلى عشرات آلاف الوثائق والصور والكتابات والتسجيلات، ليكون اداة ادانة للغرب، الذي عندما حارب هتلر، لم يكن يهدف إنقاذ اليهود، ومحاربة النازية، بقدر ما كان الحلفاء يحاربون، لكسب الحرب وتوزيع المغانم.
أعيد جان كارسكي إلى المسرح. هو رسول المعتقلين في معسكرات الاعتقال النازية، ليلتقي روزفلت لمدة ساعة. وهو رسول المقاومة البولونية إلى عواصم القرار آنذاك. شرح لهم وسائل القتل. طرق الإبادة. ملايين اليهود قتلوا في بولونيا. المذبحة مستمرة. المأساة مذهلة. ان لها مدى كونياً.. يجب على الحلفاء أن لا يكتفوا بهزيمة هتلر، بل الاهتمام بإنقاذ اليهود. اذ ماذا ينفع المحضرين للإبادة، إذا تحررت ألمانيا من هتلر، وفقد اليهود حياتهم؟
الغرب مسؤول، يقول كارسكي، ليس فقط الألمان النازيون. «أنتم أيضا مجرمون. لقد قلنا لكم. لقد أبلغناكم أعطيناكم إحداثيات مراكز الاعتقال. نصحناكم بممارسة ضغط على هتلر…».
يختم كارسكي بالقول: «ليست بولونيا هي التي تخلّت عن اليهود، انهم الحلفاء كذلك.
فيفيان فورستر، في كتابها «جريمة الغرب»، تسرد بالوقائع ما تعرض له اليهود، بعد هزيمة ألمانيا، على أيدي الأوروبيين. رفضوا استقبالهم، شحنوهم إلى فلسطين. هتلر تخلص من «يهود» عبر الحل النهائي، (المحرقة) والغرب تخلى عن «يهوده»، عبر إقفال الأبواب أمام استقبالهم فدفعهم إلى فلسطين.

حاشية: مَن مِن العرب يذكر قصف مدينة دمشق، وحي الميدان فقط، في معارك الثورة السورية الكبرى؟ هل الأرقام تكفي لإثارة حشرية الذاكرة، ان كانت قد عرفت؟ في ظرف ساعات فقط، قصفت الطائرات الفرنسية حي الميدان. سقط 1200 قتيل. دمر 600 دكان. و1500 منزل… من يذكر سلسلة المجازر في فلسطين؟ من يتعرف اليوم الى خطة «دالت» التي نفذها بن غوريون؟ من يذكر اجتياح بيروت؟ من يتذكر أن لنا ركاما يدعى عاصمة، وان لنا جنوبا كان ممرا موسميا لغزوات الجيش الإسرائيلي، وأن دماء العرب لم يسأل أحد عنها؟

تجرأت إسرائيل على ممارسة القرصنة الدولية. لم تخجل من أفعالها. هي في مهمة ملاحقة ومطاردة واعتقال، كل من كان مسؤولا أو مساهما في ارتكاب المحرقة. خطفت أيخمان واستحضرته وحاكمته، وعدّلت قانونها الذي لا ينص على الإعدام. وأعدمت أيخمان.
من يجرؤ على مس السلاح الأخلاقي اليهودي. لقد أشهرته واستبدت به، ووظفته في معركة الوعي الإنساني؟
اننا، منذ أكثر من نصف قرن، نعيش تحت «أخلاقيات المحرقة».
أين تقع صبرا. ماذا بقي من شاتيلا.
شكرا لرجال ونساء غربيين، وأجانب، يحضرون كل عام، ليدلونا على ذاكرتنا. الذي سأل عن المقبرة التي دفن فيها الشهداء، فوجئ بأن أجساد الشهداء موجودة في بقعة أرض تحوّلت إلى مزبلة ومكب للنفايات.
ذاكرتنا تشبه تلك البقعة. انها مزبلة. تتراكم فيها أسماء قيادات وزعامات وسياسات ومذاهب وطوائف وفساد وقتل وتهجير وفتاوى وادعاءات وتصريحات وتبريرات.
ذاكرتنا محشوة بحشرات تنغل بنوافل السياسات العربية، فائقة النذالة والاستبداد والظلامية. لدينا ذاكرة من حاضنات العار الكوني. لا نتذكر شيئا. لا نكتب شيئا. لا نصور شيئا. لا نحفظ شيئا.
شكرا لمن ساهم بجمع شهادات صبرا وشاتيلا إلى المناضلة بيان نويهض الحوت التي كتبت عن تلك الحقبة نصا يصلح لأن يكون أيقونة من يعترف عن جد، أنه ما زال آدميا، لا بربريا. كتبت تقول:
«في تاريخ المجازر، يتكلم الموت أولا
ثم يتكلم القتيل
ثم يتكلم القاتل
لقد تكلم الموت
وتكلم القتيل،
وتكلم الشهود،
وما زال الضحايا الأحياء ينتظرون القاتل كي يتكلم».

حاشية: ونحن لا نطالب القاتل أن يتكلم. الخرس فضيلة الجبناء. ولكم في الملايين العربية تتقن الالتزام بهذه الفضيلة!

نتيجة لفقداننا الذاكرة، أو لتدميرها إراديا، والتخلي عنها. تحول الكثير من العرب، إلى تبرير جرم القاتل والدفاع عنه. وهذا يحصل في فلسطين: لماذا تستفزون الإسرائيلي؟ لماذا تخطفون شاليط؟ ويحدث في لبنان: لماذا أسرتم الجنود الإسرائيليين؟ لماذا؟ وليس سراً، ان الخونة أصبحوا، مع ماجو سكول، أكثر وطنية ممن كانوا ذوي خط وطني، من أتباع النضال حتى آخر حبة تراث من فلسطين.
ينتهي كتاب جورج أورويل بعبادة «الأخ الأكبر».
من يدري، قد يهتدي عدد كبير من العرب، وقريبا جدا، الى ديانة عبادة «الأخ الأكبر العبري»، مع كل فروضها وواجباتها ومستلزماتها وطقوسها الدامية.
قيل: يخسر الإنسان حربه، عندما يتكلم لغة المنتصر.
أزعم أن هذا خطأ. كما يخسر الإنسان وجوده عندما يحب قاتله. وعندما يصبح شاعرا يتغنى برنين السلاسل في يديه.
بالأمس، جرى تكريم بشير الجميل…
بالأمس، نتنياهو أفطر على مائدة الرئيس حسني مبارك.
لا تعليق. ما جاء أعلاه يكفي.