أيلول الشهداء والأحياء – نبيل بومنصف – النهار

غريبة هي المفارقات الزمنية التي تحوّل الاستحقاقات السياسية وما تتسبب به دوما من ازمات، عامل ربط للذاكرة اللبنانية بالماضي المثقل بدل شفائها منه تدريجا، حتى ان هذه الازمات تبدو امتداداً لخط بياني جهنمي يحكم بقبضته على الذاكرة ويضرب عليها بلا هوادة.
بالامس ظهر الانقسام اللبناني في زمن السلم والطائف أشد خطورة على مصير لبنان وحتى هويته مما كان قبل 27 عاما حين سقط الرئيس المنتخب بشير الجميل في 14 ايلول 1982 بين ركام "جمهورية الوعد" التي لم تدم سوى 20 يوما. في ظروف الاحتلال الاسرائيلي واول اجتياح لعاصمة عربية، ووسط الاحتراب الاهلي، كان قبس من نور لا يزال يربط بين اللبنانيين اكثر مما يتراءى لكثيرين اليوم باتوا لا يعرفون وصفة لهذه التركيبة الكيميائية العاصية على التوصل الى مشروع واحد للجمهورية.


بالامس ايضا، ومن مفارقات التزامن الدراماتيكي، بدا انقسام المعسكرين اللبنانيين اشد فداحة وعمقا مما كان يوم اغتيال الشهيد جبران تويني واستقالة "فريق وازن" من الحكومة لتنطلق مع استقالته منظومة الازمات المتوالدة والمتعاظمة حتى الآن. يصادف ان 15 ايلول هو عيد المولد الـ52 لجبران الذي تشاء المصادفة ايضا ان يشهد اعادة حضور لافت ونافر وقوي للمحكمة الدولية مع مجموعة اطلالات متزامنة لقضاتها الكبار على المشهد اللبناني مذكرين بأن "الحقيقة" ليست شعارا للتوظيف، ولا اداة احتراب اهلي بالوكالة والاصالة عن الداخل والخارج، بل هي فعلا الطريق الى "عمارة" الدولة إن اريد لدولة ان تقوم في لبنان. ولعلها بارقة وحيدة في "عيد" جبران تويني الذي قصفته يد الغدر والارهاب والقمع المعتم في سنته الـ48 لانه افرط في رومانسية وطنية مذهلة ظن معها ان تلك الثورة الاستقلالية كفيلة وحدها بتحقيق قسمه، فاذا به يتقدم بسرعة مذهلة ايضا الى طلائع لوائح الشهداء.





هذه المحكمة تكاد تتحول في الكثير من "ادبيات" الداخل اما عامل توظيف واما عامل تخويف واما عامل تسخيف. يكاد اهل القضية المقضية يصبحون في مواسم التفاهة السياسية ضحايا مرتين، مرة تحت وطأة الجرم الارهابي نفسه ومرة اخرى تحت وطأة طوفان التفاهة ونسيان الشهداء والاغراق المفرط في مشتقات الانقسامات.
ومن دون اغراق كبير في سذاجة التفاؤل حيال امر لا يحتمل تعريضه لتفسيرات لبنانية صرفة، تبدو اطلالة ايلول للمحكمة الدولية على الوضع اللبناني المأزوم بمعايير قضائية مجردة وبمفاهيم قانونية صرفة افضل الممكن في تلمس بارقة مفادها ان العدالة الدولية لا تزال صامدة امام ما انتدبت له في لبنان، خلافا لما تريده ارادات معلنة ومضمرة، في الداخل والخارج. وفي اقل الاحوال، لم يتمدد موج التفاهة الى لاهاي، فالنبرة من هناك تبدو لبنانية اكثر بكثير مما يسود بيروت الشهداء والاحياء في ايامها الحالية وزمنها العاصي على اي وصف. ولعلها ايضا من مفارقات ايلول ان يفتح مجلس النواب اللبناني ابوابه امس امام الطلاب في "اليوم العالمي للديموقراطية" وديموقراطية لبنان تكاد تلتحق بقوافل شهدائها.