//Put this in the section

توتّر على جبهة برّي ـ الحريري يُنذر بتصعيد يمنع التأليف مجدّداً – ابراهيم الأمين – الأخبار

هناك سيل من التوضيحات التي تفيد بأن سعد الحريري لم يقصد افتعال مشكلة مع الرئيس نبيه بري، لكن رئيس المجلس الذي لا تنقصه الحيلة لتلقي الرسائل على أنواعها، بادر إلى ردّ أوّلي من خلال بيان كتلة التحرير والتنمية أمس، وهو موقف قد يكون قابلاً للتصعيد إذا قرر الحريري فعلاً خوض معركة شاملة مع كل قوى المعارضة، علماً بأنّ من غير المستبعد أن يكون الحريري ـــــ2 قد قرر خوض معركة مباشرة ومفتوحة مع الثنائي الشيعي وتحميل حزب الله وحركة أمل مسؤولية أي موقف يصدر عن أي جهة في المعارضة، وهو أمر قد يكون مطلوباً للحريري ومن يقف خلفه إذا كانت النيات لا تزال في إطارها التصعيدي، لأن ما هو متوافر إلى الآن بين أيدي الجميع لا يشير إلى متغيرات كبيرة تدفع إلى التفاؤل بأنّ تجربة الحريري ـــــ2 ستكون مختلفة جداً عن الأولى، ما يعني أن الحكومة قد تأخذ وقتاً أطول حتى تبصر النور.


أما حاجة الحريري إلى مشكلة مع الثنائي الشيعي، فهي ترتبط بحاجته هو ومن خلفه إلى معركة تخدم الأهداف الأصلية لعمل تأخير الحكومة الوفاقية، ولمعركة منع أي تطبيع في العلاقات بين لبنان وسوريا، أو خلق مساحة من الاستقرار الداخلي الطويل الأمد. وهي الحاجة إلى مشكلة معقّدة ومتوترة داخلية، وهي المشكلة التي تقلق الثنائي الشيعي الذي يخشى فعلاً حصول توترات ذات بعد مذهبي. كذلك إن سوريا نفسها لا تريد لهذا التوتر أن يتضخم، بحيث ينتقل بتأثيرات سلبية إلى سوريا نفسها، ولو أن الأمر لن يكون كما يظن كثيرون من أعداء النظام في دمشق، الذين يأملون أو يتمنون أن تتحول سوريا إلى عراق آخر.




ومع أن المقربين من الحريري يرفضون كل هذا المنطق، وهم يعتقدون أنه على العكس، فإن سوريا وإيران هما اللتان ترفضان تأليف الحكومة الجديدة في لبنان، وهم الذين يريدون ربط الوضع بأمور كثيرة لا يقدر لبنان على تحمّل تبعاتها ونتائجها، إلا أن هؤلاء لا يرفضون الاعتقاد بأن المواجهة الداخلية القائمة من شأنها تعقيد المسألة والانعكاس على أي مساعٍ عربية ـــــ عربية لحلّ الأزمة الحكومية في لبنان. لكن هؤلاء يرفضون اتهامهم بالعمل لتهيئة الوضع الداخلي اللبناني لملاقاة استحقاقات غربية أو إسرائيلية، ويعتقدون أن الحريري ليس محتاجاً إلى إثارة السُّنة في لبنان ضد الشيعة، لأن ذلك لا يفيده في شيء، وإذا تطوّرت الأمور نحو توترات أهلية كبيرة، فإن ذلك لن يكون في مصلحة الحريري الراغب في خوض تجربة من نوع مختلف في ملف الحكومة، وأنه قدم تنازلات كبيرة أبرزها ما يتعلق بتطبيع العلاقات مع سوريا، وإن لم تبتّ المحكمة الدولية بعد قرارها بشأن جريمة اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري، وهو الذي لا يزال مقتنعاً بأن لسوريا دورها الكبير في هذه الجريمة.
إلا أن هذا الدفاع لا يمكن صرفه لدى أصحاب وجهة النظر الأخرى. ويقول باحث مقيم في الولايات المتحدة الأميركية على صلة بتفاصيل الملف اللبناني، إن ما يجري في لبنان يحاكي التطلعات الأميركية إلى تحقيق مجموعة مصالح تصبّ في النهاية في خدمة مصالح إسرائيل. وإن الأخيرة تستهدف أمرين في وقت واحد: التخلص من سلاح المقاومة وتثبيت التوطين حلاً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وإن سبل تحقيق ذلك تفترض مجموعة من الخطوات التي تتطلب بمعنى واضح حصول فتنة سُنية ـــــ شيعية من النوع الذي يسمح بتحقيق مثل هذه الأهداف.
ويشرح الباحث وجهة نظره بالقول: «لقد عملت الماكينة الغربية بالتعاون مع أنظمة عربية حليفة لها على نقل السُّنة في لبنان من موقع رأس حربة المشروع القومي العربي ومشروع مواجهة إسرائيل إلى رأس حربة في مواجهة قوة المقاومة الأبرز، وهي حزب الله، وجرى ذلك من خلال جعل سُنّة لبنان ينظرون إلى حزب الله على أنه قوة شيعية لها مخاطر عليهم، لا على إسرائيل. وبالتالي فإن التيار الذي يقوده الحريري الآن يعمل على إزالة الهوية العربية والهوية الوطنية اللبنانية وتعزيز الشعور الأقلوي عند سُنّة لبنان، بغية جعلهم يتطلعون إلى حسابات من نوع مختلف، وإقناعهم بأن حزب الله هو العدو الفعلي لا إسرائيل، وبالتالي فإن هذه المجموعة تتعامل مع ملف التوطين من زاوية مصالحها في مواجهة حزب الله، ولذلك هم يعربون بوسائل مختلفة عن اعتقادهم بأن التوطين إنما يوفّر جيشاً يمكن الاستفادة منه في وجه حزب الله».


وبحسب الباحث نفسه، فإن «الحليف الأساسي والموضوعي لهذه المجموعات، هو الفريق الذي يعيش على فوضى الفساد في لبنان كما في المنطقة، والفساد يمثّل حليفاً موضوعياً للذين لا يهتمون بالوحدة الداخلية أو بوحدة المجتمعات، وهذا ما يبرّر قسماً كبيراً من الهجوم على العماد ميشال عون، باعتبار أن الأخير يتصرف على أساس أن وحدة البلاد تحتاج إلى تسويات سياسية جدية، وهو يتطلع إلى إدارة مستقلة للبلاد ومؤسساتها، بما يحول دون تعاظم الفساد، وفي الحالتين يتحول عون برأي هؤلاء إلى حليف موضوعي لحزب الله، وإلى عدو حقيقي لفكرة التوطين، وهذا بالضبط ما يوجب محاربته ومواجهته على أنه بات من الأعداء الجدد».
غداً، سيُسمى الحريري من جديد، وستدخل البلاد في دوامة، وسيواصل من يريد الخراب عمله، مترافقاً مع تصفيق المجانين، سواء كانوا من القابضين على روح البلاد أو من العباد غير الصالحين.